تكشف المؤشرات الرسمية، رغم تراجع الفقر متعدد الأبعاد خلال عقد، استمرار تحديات الهشاشة الاجتماعية، وتعيد طرح أسئلة جوهرية حول العدالة المجالية ونجاعة البرامج العمومية. وبين مؤهلات اقتصادية واعدة وانتظارات اجتماعية متزايدة، تواجه جهة درعة تافيلالت رهانا يتجاوز إعلان المشاريع إلى تحقيق تنمية قابلة للقياس، وتعزيز شفافية المؤسسات في عرض حصيلتها، وضمان انعكاس السياسات العمومية على الحياة اليومية للمواطنين.
الحدث بريس – ملف خاص
لا يمكن اختزال الأوضاع الاجتماعية بجهة درعة تافيلالت في صورة واحدة، كما لا يمكن الحكم على مسارها التنموي انطلاقاً من خطاب سياسي يتحدث عن الإنجازات وحدها، أو من قراءة متشائمة تتجاهل ما تحقق من تحولات. فالحقيقة، كما تكشفها المؤشرات الرسمية المتاحة، أكثر تعقيداً من ذلك؛ هناك تقدم مسجل في بعض الجوانب، لكن هناك أيضاً تحديات اجتماعية ومجالية تجعل سؤال التنمية مطروحاً بإلحاح.
في هذه الجهة الممتدة على مجال جغرافي واسع، حيث تتوزع التجمعات السكانية بين المدن والمناطق القروية والواحات والمرتفعات الجبلية، لا تتشابه ظروف العيش بالضرورة، ولا تتساوى فرص الوصول إلى الخدمات الأساسية. وبين الرشيدية وميدلت وورزازات وتنغير وزاكورة، تختلف الحاجيات المحلية وتتعدد الإكراهات، الأمر الذي يجعل تقييم التنمية مسألة تتطلب قراءة الأرقام، وفهم خصوصية المجال، ثم مساءلة السياسات العمومية وفق نتائجها الفعلية.
ومن هنا، لا يتعلق السؤال المركزي بما إذا كانت الجهة قد عرفت مشاريع أو برامج تنموية، بل بمدى قدرتها على تحويل هذه التدخلات إلى تحسن ملموس في حياة السكان، وتقليص الفوارق بين المجالات الترابية، وتوسيع فرص الشغل، وضمان الولوج المنصف إلى الصحة والتعليم والبنيات الأساسية.
الفقر يتراجع.. لكن الهشاشة ما تزال حاضرة
تقدم معطيات المندوبية السامية للتخطيط مدخلاً أساسياً لفهم التحولات الاجتماعية التي عرفتها الجهة خلال السنوات الأخيرة. فوفق بيانات خريطة الفقر متعدد الأبعاد لسنتي 2014 و2024، تراجع معدل الفقر متعدد الأبعاد بدرعة تافيلالت من 14.4 في المائة سنة 2014 إلى 7.7 في المائة سنة 2024.
ويمثل هذا الانخفاض، الذي بلغ 6.7 نقاط مئوية، تطوراً إيجابياً ينبغي تسجيله في أي قراءة موضوعية للوضع الاجتماعي. فهو يشير إلى تحسن في المؤشرات التي يعتمدها هذا القياس، المرتبطة بأبعاد من قبيل التعليم والصحة وظروف العيش، ولا يسمح بالتالي بتقديم صورة توحي بأن الأوضاع ظلت ثابتة طوال العقد الماضي.
لكن الاعتراف بهذا التقدم لا يعني أن مشكلات التنمية قد حُسمت، أو أن جميع سكان الجهة استفادوا بالدرجة نفسها من التحولات المسجلة. فالمعدل الجهوي يقدم صورة إجمالية، ولا يكشف بمفرده عن الاختلافات بين الأقاليم والجماعات، ولا عن طبيعة الصعوبات التي قد تستمر في بعض المناطق رغم تحسن المؤشر العام.
وتزداد أهمية هذه الملاحظة عند الانتقال من الفقر إلى الهشاشة. فالمعطيات نفسها تشير إلى أن معدل الهشاشة إزاء الفقر متعدد الأبعاد في الجهة بلغ 11.8 في المائة سنة 2024، مقابل 8.1 في المائة على المستوى الوطني.
وهنا تبرز دلالة تستحق التوقف عندها: تراجع الفقر لا يعني بالضرورة زوال المخاطر التي قد تدفع بعض الأسر إلى الوقوع فيه مجدداً. فالهشاشة تعكس وضعية فئات معرضة للتأثر بالحرمان، وفق التعريف والمنهجية المعتمدين في المؤشر، وهو ما يجعل تحسين ظروف العيش وتعزيز الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي جزءاً أساسياً من أي سياسة تنموية مستدامة.
وبعبارة أخرى، فإن نجاح التنمية لا يقاس فقط بعدد الأسر التي تجاوزت عتبة الفقر، بل أيضاً بمدى قدرتها على الحفاظ على المكتسبات، والوصول إلى الخدمات الضرورية، ومواجهة الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية دون الانزلاق مجدداً إلى أوضاع أكثر هشاشة.
هذه الأرقام لا تثبت وحدها فشل المؤسسات المنتخبة أو نجاحها، لكنها تضع أمام مختلف المتدخلين مسؤولية مواصلة العمل، وتحديد المجالات التي ما تزال تحتاج إلى تدخل أكثر فعالية، انطلاقاً من بيانات دقيقة ومفصلة.
العدالة المجالية.. حين لا تكفي المؤشرات العامة لفهم الواقع
تكتسي مسألة العدالة المجالية أهمية خاصة في درعة تافيلالت، بالنظر إلى اتساع رقعتها الجغرافية وتعدد خصائصها الطبيعية والديمغرافية. فالجهة تضم خمسة أقاليم، لكل واحد منها خصوصياته الاقتصادية والاجتماعية، كما تتباين داخل الإقليم الواحد حاجيات المراكز الحضرية والجماعات القروية والمناطق الجبلية والواحية.
وهذا التنوع يجعل توزيع الخدمات والتجهيزات والاستثمارات العمومية تحدياً حقيقياً، لا يمكن التعامل معه بالاعتماد على مقاربة موحدة تتجاهل اختلاف الظروف المحلية. فالطريق الذي يربط تجمعاً سكانياً بمركز صحي، والمدرسة التي تتيح للأطفال متابعة دراستهم بالقرب من أسرهم، وشبكات الماء والاتصالات، ليست مجرد تجهيزات منفصلة، بل عناصر تؤثر مجتمعة في فرص السكان وفي قدرتهم على الاستقرار داخل مناطقهم.
ومن هذا المنطلق، فإن تقييم العدالة المجالية لا ينبغي أن يقتصر على عدد المشاريع المعلن عنها أو حجم الاعتمادات المالية المخصصة لها، بل يجب أن يشمل طبيعة توزيعها، ومدى استجابتها للحاجيات، والفئات والمناطق التي تستفيد منها، والنتائج التي تحققها بعد دخولها حيز الخدمة.
فقد تسجل الجهة تحسناً في المتوسط العام، بينما تظل بعض الجماعات تواجه خصاصاً في خدمات معينة. وقد يتحسن الولوج إلى البنيات الأساسية في منطقة، دون أن يتحقق التحسن نفسه في منطقة أخرى. لذلك، فإن الانتقال من المؤشرات الجهوية إلى المعطيات الإقليمية والجماعية يظل ضرورياً لفهم أين تحقق التقدم، وأين ما تزال الفجوات قائمة.
وتوفر البيانات التي تنشرها المندوبية السامية للتخطيط، ولا سيما نتائج الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024 والأطالس السوسيو-ديمغرافية الإقليمية، قاعدة مهمة لهذا النوع من التحليل. غير أن تحديد المناطق الأكثر خصاصاً وترتيبها وفق مؤشرات دقيقة يتطلب فحص البيانات التفصيلية، وليس الاكتفاء بالأرقام العامة.
المطلوب، إذن، ليس إطلاق أحكام واسعة حول وجود التهميش أو غيابه، بل بناء تشخيص ترابي واضح يحدد طبيعة الخصاص ومجاله، ثم يربطه بالبرامج المعتمدة والموارد المرصودة والنتائج المحققة.
الصحة.. من تأهيل المراكز إلى ضمان العلاج
يشكل القطاع الصحي أحد الاختبارات الأساسية لمدى قدرة السياسات العمومية على الاستجابة للانتظارات الاجتماعية. ففي المناطق التي تتباعد فيها التجمعات السكانية، تكتسب المسافة الفاصلة بين المواطن والمؤسسة الصحية أهمية إضافية، كما يصبح توفر الموارد البشرية والتجهيزات واستمرارية الخدمات عاملاً حاسماً في جودة الرعاية.
وفي هذا السياق، أعلنت الحكومة، في يوليوز 2025، دخول خدمات 200 مركز صحي حضري وقروي حيز الخدمة على المستوى الوطني، ضمن برنامج لتأهيل المؤسسات الصحية، شمل 40 مركزاً بجهة درعة تافيلالت، وفق البلاغ الرسمي المنشور على البوابة الوطنية للمملكة المغربية.
ويشكل هذا التدخل معطى ينبغي أخذه بعين الاعتبار عند تقييم الجهود المبذولة لتطوير العرض الصحي. غير أن عدد المراكز التي شملها التأهيل لا يكفي وحده للحكم على مدى تحسن الخدمات، لأن أثر الاستثمار الصحي يتوقف كذلك على ظروف التشغيل الفعلية للمؤسسات ومدى توفر الأطر الطبية والتمريضية والأدوية والتجهيزات الضرورية.
كما أن تقييم الوضع الصحي بالجهة يقتضي معرفة مدى استفادة السكان من هذه المراكز، وحجم الخدمات المقدمة، وقدرة المؤسسات على الاستجابة للحاجيات المحلية، فضلاً عن الصعوبات التي قد تواجه المرضى في الوصول إلى المستشفيات والخدمات المتخصصة.
ولا يمكن، في غياب بيانات حديثة ومفصلة حول هذه الجوانب، إصدار حكم شامل يؤكد أن العرض الصحي يلبي حاجيات جميع أقاليم الجهة، أو أنه يعاني المستوى نفسه من الخصاص في كل المناطق.
لكن ما يمكن تأكيده هو أن نجاح برامج التأهيل ينبغي أن يقاس بما تحدثه من تغيير فعلي في الخدمة المقدمة للمواطن، لا بمجرد استكمال الأشغال أو الإعلان عن افتتاح المؤسسات.
فالمواطن لا يحتاج إلى مركز صحي مؤهل من الناحية المادية فقط، بل يحتاج إلى خدمة متاحة ومنتظمة وفعالة. وهذه هي النقطة التي ينبغي أن تشكل محور التقييم المستقبلي للبرامج الصحية بالجهة.
التعليم والتشغيل.. الحلقة التي تحدد مستقبل الشباب
تظل التنمية الاجتماعية ناقصة إذا لم تنعكس على مستقبل الشباب وقدرتهم على بناء مسار مهني واقتصادي داخل الجهة. فالتعليم والتكوين والتشغيل ليست ملفات منفصلة، بل حلقات مترابطة تحدد مدى قدرة الاقتصاد المحلي على الاستفادة من كفاءاته والاحتفاظ بها.
وتبرز أهمية هذا الترابط في ضرورة تقييم ظروف التمدرس، وجودة التعليم، والهدر المدرسي، والولوج إلى التكوين المهني، ثم قياس مدى توافق التكوينات مع فرص العمل المتاحة.
فوجود مؤسسات تعليمية أو مراكز للتكوين لا يمثل في حد ذاته ضمانة لتحقيق الإدماج الاقتصادي، ما لم تتوافر فرص تسمح للشباب باستثمار مؤهلاتهم، سواء عبر العمل لدى المقاولات أو إحداث مشاريعهم الخاصة.
وتوفر نتائج الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024، إلى جانب المعطيات الإحصائية المتعلقة بالنشاط الاقتصادي، أرضية لدراسة هذه المسائل بصورة أدق. لكن تحديد حجم البطالة وتوزيعها داخل الجهة، أو المقارنة بين أوضاع الشباب في الأقاليم الخمسة، يتطلب الرجوع إلى الأرقام التفصيلية الخاصة بكل مؤشر وفئة سكانية.
ومن ثم، فإن معالجة التحديات المرتبطة بالتشغيل تستدعي مقاربة تتجاوز المبادرات الظرفية، نحو تطوير الأنشطة الاقتصادية القادرة على خلق فرص عمل مستدامة، وربط التكوين بحاجيات السوق، وتسهيل الاستثمار، وتحسين فرص المبادرة المقاولاتية.
والرهان هنا لا يتعلق فقط بتوفير الوظائف، بل ببناء اقتصاد محلي يمنح الشباب أسباباً واقعية للاستقرار، ويتيح لهم المشاركة في تنمية مناطقهم بدل اضطرارهم إلى البحث عن الفرص خارجها.
مؤهلات اقتصادية واعدة.. لكن كيف تتحول إلى فرص حقيقية؟
تتوفر درعة تافيلالت على مؤهلات اقتصادية وطبيعية وثقافية يمكن أن تشكل أساساً لتنمية أكثر تنوعاً. فالسياحة، والواحات، والمنتجات المجالية، والفلاحة، والصناعات التقليدية، كلها مجالات تتيح إمكانات لخلق القيمة المضافة وتوسيع فرص التشغيل، شريطة توفير الظروف اللازمة لتطويرها.
غير أن وجود هذه المؤهلات لا يعني تلقائياً أن آثارها الاقتصادية والاجتماعية ستصل إلى مختلف فئات السكان. فنجاح الأنشطة السياحية، على سبيل المثال، لا يقاس بعدد الزوار وحده، بل أيضاً بمدى انعكاس النشاط على فرص العمل المحلية، ومداخيل المقاولات الصغيرة، واستقرار الوظائف، واستفادة الفاعلين المحليين من القيمة الاقتصادية المتولدة.
وينطبق الأمر نفسه على المنتجات المجالية، التي تحتاج إلى تطوير سلاسل الإنتاج والتثمين والتخزين والتسويق، فضلاً عن تحسين شروط الولوج إلى الأسواق ودعم التعاونيات والمقاولات المحلية.
وتبرز أهمية هذه المقاربة في ضرورة الانتقال من التعامل مع المؤهلات باعتبارها عناصر للترويج الترابي، إلى اعتبارها أدوات لبناء اقتصاد محلي منتج. فالمطلوب ليس فقط جذب الاستثمار، بل توجيهه نحو الأنشطة التي تستجيب لحاجيات السكان، وتوفر فرص العمل، وتساهم في تقليص الهشاشة.
كما أن تطوير هذه القطاعات يحتاج إلى تنسيق بين المؤسسات المنتخبة والقطاعات الحكومية والفاعلين الاقتصاديين، حتى لا تظل المبادرات متفرقة أو محدودة الأثر.
وفي هذا الإطار، يصبح تقييم التنمية الاقتصادية مرتبطاً بسؤال واضح: ما حجم القيمة التي تنتجها الأنشطة المحلية، وما نصيب السكان منها، وما أثرها في تحسين ظروف العيش؟
المجالس المنتخبة.. من البرامج المعلنة إلى حصيلة قابلة للمحاسبة
لا يمكن إتمام قراءة الأوضاع الاجتماعية بالجهة دون الوقوف عند مسؤولية المؤسسات المنتخبة في التخطيط للتنمية المحلية والمساهمة في تنفيذها. غير أن تقييم هذه المسؤولية يقتضي التمييز بين اختصاصات مجلس الجهة والمجالس الإقليمية والجماعات الترابية، وبين مسؤوليات القطاعات الحكومية والمؤسسات العمومية الأخرى.
فالمؤشرات الاجتماعية، مهما بلغت دقتها، لا تكفي وحدها لإثبات نجاح مجلس معين أو فشله، لأنها تتأثر بعوامل اقتصادية وديمغرافية ومناخية، كما ترتبط بقرارات تتخذها جهات متعددة.
لذلك، فإن المساءلة الجادة ينبغي أن تنطلق من فحص برنامج التنمية الجهوية، والميزانيات، والحسابات الإدارية، والاتفاقيات المبرمة، وتقارير تنفيذ المشاريع، ثم مقارنة الأهداف المعلنة بالنتائج الفعلية.
ومن خلال هذه الوثائق، يمكن تحديد المشاريع التي أنجزت، وتلك التي ما تزال قيد التنفيذ، والاعتمادات التي صرفت، وأسباب التأخر إن وجد، والجهة المسؤولة عن كل مرحلة من مراحل الإنجاز.
كما تكتسي تقارير المجلس الجهوي للحسابات أهمية خاصة في هذا السياق، لأنها توفر مادة رقابية يمكن الاستناد إليها عند تقييم جوانب محددة من التدبير العمومي، شريطة قراءة الملاحظات الواردة فيها ضمن سياقها وعدم تعميمها خارج نطاقها.
وتظل الشفافية في نشر المعطيات المالية والإدارية، وتيسير الوصول إلى المعلومات المتعلقة بالمشاريع، من الشروط الأساسية لتعزيز الثقة بين المؤسسات والمواطنين.
فالمحاسبة لا تعني إصدار أحكام مسبقة، بل تعني إتاحة المعلومات الضرورية لتحديد المسؤوليات، وتفسير التعثرات، والتمييز بين الإكراهات الموضوعية ومواطن القصور في التخطيط أو التنفيذ.
ومن هنا، فإن الحاجة قائمة إلى نقاش عمومي يستند إلى الوثائق والأرقام، ويتيح للمواطنين والصحافة والمجتمع المدني تقييم الحصيلة على أساس معايير واضحة، بعيداً عن المبالغة في الإنجازات أو التعميم في الانتقادات.
التنمية لا تقاس بما يعلن عنه فقط
تكشف المعطيات المتاحة أن تقييم الوضع الاجتماعي بجهة درعة تافيلالت يحتاج إلى الجمع بين مؤشرات الفقر والهشاشة، ومعطيات الصحة والتعليم والتشغيل، ونتائج البرامج التنموية، وحصيلة المؤسسات المسؤولة عن تنفيذها.
فتراجع الفقر متعدد الأبعاد مؤشر إيجابي، لكنه لا يلغي ضرورة مواصلة الجهود. ووجود برامج لتأهيل المؤسسات الصحية خطوة مهمة، لكنه لا يعوض تقييم جودة الخدمات المقدمة. كما أن توفر الجهة على مؤهلات اقتصادية لا يضمن وحده خلق فرص الشغل ما لم تتحول هذه الإمكانات إلى استثمارات وأنشطة منتجة.
إن التحدي الحقيقي يتمثل في ربط مختلف هذه العناصر ضمن رؤية تنموية تجعل حاجيات السكان أساساً لتحديد الأولويات، وتمنح المناطق الأكثر خصاصاً ما تستحقه من اهتمام، وتربط الموارد العمومية بنتائج قابلة للقياس.
ويمكن أن يشكل نشر حصيلة سنوية واضحة للمشاريع والميزانيات، مدعومة بمؤشرات اجتماعية وترابية، خطوة عملية نحو هذا الهدف. كما أن إشراك الفاعلين المحليين في تحديد الأولويات وتتبع الإنجاز من شأنه أن يعزز ملاءمة البرامج مع الاحتياجات الحقيقية.
وفي المحصلة، لا تحتاج درعة تافيلالت إلى خطاب يختزل واقعها في صورة وردية أو قاتمة، بل إلى تشخيص دقيق يعترف بما تحقق، ويحدد ما لم يتحقق، ويكشف أسباب التعثر استناداً إلى الوثائق والمعطيات.
فالرهان ليس أن تبدو الجهة أكثر تنمية في التقارير، بل أن يشعر المواطن بأن الخدمات أصبحت أقرب إليه، وأن فرص العمل باتت أوسع أمام أبنائه، وأن الفوارق المجالية تتقلص بصورة ملموسة.
وعندما تصبح نتائج المشاريع قابلة للقياس، والميزانيات قابلة للتتبع، والمسؤوليات محددة بوضوح، يمكن الانتقال من الجدل حول التنمية إلى تقييمها ومحاسبة المتدخلين وفق اختصاصاتهم.
ذلك هو المسار الذي يمكن أن يجعل من مؤهلات درعة تافيلالت رافعة حقيقية للتنمية الاجتماعية والاقتصادية، ويحول التقدم المسجل في المؤشرات إلى مكاسب مستدامة يشعر بها السكان في حياتهم اليومية.