بقلم: إدريس بوداش
ليست الديمقراطية شعاراً يُرفع في المؤتمرات، ولا كلمة تُستهلك في الخطب والمهرجانات كلما اقترب موعد انتخابي. الديمقراطية ممارسة يومية تبدأ من داخل المؤسسات التي يفترض أن تكون حاضنة لها، وفي مقدمتها الأحزاب السياسية. وهنا تحديداً تكمن المفارقة: كيف يمكن لحزب أن يتحدث عن دولة المؤسسات، وهو عاجز عن بناء مؤسسات ديمقراطية داخلية؟ وكيف يمكن لمناضل أن يطالب المجتمع بالمشاركة، وهو نفسه لا يجد داخل تنظيمه مساحة حقيقية للاختلاف والمنافسة؟ أسئلة تبدو بسيطة، لكنها تفتح الباب أمام واحد من أكثر أعطاب الحياة السياسية إزعاجاً، وهو تحول بعض القيادات من إدارة الحزب إلى التحكم فيه.
القيادة السياسية ليست ملكية خاصة، ولا امتيازاً أبدياً، وإنما مسؤولية يمنحها المناضلون لفترة محددة، ويفترض أن تكون خاضعة للقواعد والمحاسبة. غير أن الخطر يبدأ عندما يصبح الشخص أكبر من المؤسسة، وعندما تصبح القرارات مرتبطة بمزاج القيادة، والمواقع مرتبطة بدرجة القرب منها، ويصبح الاختلاف معها مغامرة سياسية. عندها يبدأ الحزب في فقدان وظيفته الأساسية، ويتحول المؤتمر الذي يفترض أن يكون فضاءً للنقاش وتجديد النخب إلى محطة للتزكية، والهياكل التي يفترض أن تراقب القيادة إلى مجرد واجهات، والمناضل الذي يفترض أن يكون شريكاً في صناعة القرار إلى مجرد رقم عند الحاجة. وهنا لا تعود المسألة مجرد خلاف تنظيمي عابر، وإنما تصبح بداية فعلية لاغتيال الديمقراطية الحزبية من الداخل.
ومن أكثر المظاهر التي تقتل الحياة السياسية داخل الأحزاب تحويل الولاء إلى معيار للترقي. فعندما يصبح صاحب الرأي المستقل مصدر إزعاج، بينما يحظى الموافق الدائم بموقع أقرب إلى مراكز القرار، تصل الرسالة إلى باقي المناضلين واضحة: لا تفكر كثيراً، وافق فقط. وهذه ربما أخطر رسالة يمكن أن توجهها قيادة سياسية إلى قواعدها، لأنها لا تنتج حزباً قوياً، وإنما تنتج دائرة مغلقة من الأشخاص الذين يتشابهون في مواقفهم ليس بالضرورة لأنهم يتقاسمون الرؤية نفسها، وإنما لأنهم يعرفون أن الاختلاف له ثمن.
والأخطر أن مفهوم الفساد السياسي لا ينبغي اختزاله في المال والصفقات واستغلال النفوذ. هناك أيضاً فساد السلطة التنظيمية، عندما يُستخدم الموقع لإقصاء المنافسين، أو يصبح الولاء طريقاً إلى المسؤولية، أو تتحول المؤسسات إلى أدوات لحماية مواقع القيادة. وحتى في غياب أي قضية مالية، فإن مثل هذه الممارسات تفرغ العمل السياسي من مضمونه، لأن السلطة التي تصبح بلا رقابة يمكن أن تتحول إلى وسيلة لإنتاج النفوذ، ثم يصبح النفوذ وسيلة لحماية السلطة، فتدخل المؤسسة في دائرة مغلقة يصعب كسرها.
ومن هنا يصبح الاختلاف داخل الحزب مشكلة في نظر البعض، بينما هو في الحقيقة أحد شروط الحياة السياسية السليمة. فالمعارض الداخلي ليس عدواً، والمختلف ليس بالضرورة متآمراً، والناقد لا يريد بالضرورة إسقاط القيادة. أحياناً يكون أكثر الناس حرصاً على الحزب هو ذلك الذي يمتلك الشجاعة ليقول إن قراراً ما خاطئ. والحزب القوي هو الذي يستطيع أن يسمع هذه الكلمة دون أن يعتبرها تهديداً لوجوده. أما الحزب الذي لا يسمع إلا المديح، فإنه يفقد تدريجياً القدرة على رؤية أخطائه، وعندما يغادر أصحاب الرأي المستقل قد لا يبقى حول القيادة الأقوى، وإنما الأكثر قدرة على قول «نعم».
وهكذا تبدأ الكفاءات في الابتعاد. فالشاب الذي يدخل العمل السياسي بحثاً عن مساحة للمشاركة وصناعة القرار، ثم يكتشف أن الطريق إلى المسؤولية يمر عبر الولاء والعلاقات، قد يختار الصمت أو الانسحاب أو البحث عن فضاء سياسي آخر. وفي كل الحالات تكون المؤسسة هي الخاسر الأكبر، لأن السياسة تحتاج إلى أصحاب الكفاءة والخبرة والقدرة على الإقناع أكثر مما تحتاج إلى المصفقين. والحزب الذي يدفع كفاءاته إلى الهامش قد يجد نفسه بعد سنوات يبحث عن وجوه جديدة فلا يجد إلا أولئك الذين ساهم هو نفسه في صناعة مساراتهم.
لكن تغيير الأشخاص وحده لا يكفي. فالمشكلة ليست دائماً في القائد، وإنما في القواعد التي تسمح للقائد بأن يتحول إلى مركز دائم للسلطة. الإصلاح الحقيقي يبدأ من طريقة إدارة المؤسسة نفسها: انتخابات داخلية حقيقية، مؤتمرات تحترم روحها، تداول فعلي للمسؤوليات، شفافية، مساءلة، وضمان حق الأعضاء في النقد والاختلاف. فهذه ليست مطالب مثالية، وإنما شروط أساسية لأي تنظيم يريد أن يقدم نفسه للمواطن باعتباره مؤسسة ديمقراطية.
ولا يمكن لحزب أن يطالب المواطن بالديمقراطية، ثم يعتبرها خطراً عندما تصل إلى داخله. ولا يمكن أن يدافع عن دولة المؤسسات، ثم يسمح بأن تصبح مؤسساته رهينة للأشخاص. كما لا يمكن أن يتحدث عن تكافؤ الفرص، ثم يجعل الولاء معياراً للصعود. المواطن لم يعد يكتفي بما يسمعه في المنصات، بل ينظر أيضاً إلى الممارسة، ويقارن بين الخطاب والسلوك. وعندما يكتشف أن المسافة بين الاثنين كبيرة، فإنه لا يفقد الثقة في حزب واحد فقط، وإنما قد يفقد ثقته في العمل السياسي برمته.
الديمقراطية لا تُغتال دائماً بقرار معلن؛ أحياناً تموت بهدوء، عندما يصبح السؤال ممنوعاً، والاعتراض مكلفاً، والمنافسة محسومة، والقيادة فوق النقد. تموت عندما يصبح الحزب مؤسسة لحماية المواقع بدل أن يكون مؤسسة لصناعة المستقبل. ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: من يقود الحزب؟ بل السؤال الأهم: هل يستطيع الحزب أن يعيش من دون قائده؟ فإذا كانت الإجابة بالنفي، فالمشكلة ليست في قوة القائد، وإنما في ضعف المؤسسة.
فالأحزاب التي تُبنى حول الأشخاص تنتهي غالباً بانتهاء الأشخاص، بينما الأحزاب التي تُبنى حول المؤسسات تستطيع أن تتجدد وتستمر. وفي النهاية، ليست الديمقراطية أن تفوز دائماً، وإنما أن تقبل احتمال الخسارة، وأن تقبل أن يأتي من يخلفك، وأن تسمح لمن يختلف معك بأن يقول «لا» دون أن يدفع ثمنها.
وحين يصبح الولاء للأشخاص أقوى من الولاء للمؤسسة، لا تكون الديمقراطية قد ضعفت فقط… بل تكون قد بدأت تُغتال من الداخل.