الإثنين 12 أكتوبر 2026
آخر الأخبار
فرنسا تفتح الباب أمام عودة بريطانيا إلى الاتحاد الأوروبي جلسة حاسمة في لوزان.. المحكمة الرياضية تحسم مسار قضية نهائي أمم إفريقيا جلالة الملك يترأس غدا الجمعة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الأولى من الولاية التشريعية الثانية عشرة ملتقى التفاح بميدلت 2026: عصب التنمية وركيزة العدالة الاجتماعية في أعالي الأطلس الدفتيريا بالمغرب.. خبراء يدقون ناقوس الخطر ويدعون إلى تتبع تلقيح التلاميذ جلالة الملك يوجه خطابا ساميا بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الأولى من الولاية التشريعية الثانية عشرة الولاية التشريعية والحكومية الجديدة يجب أن تشكل منعطفا حقيقيا لمواصلة طموح المغرب كقوة اقتصادية صاعدة وموثوقة (جلالة الملك) جلالة الملك: الشراكة اختيار سيادي والتزام إرادي ولن تكون أبدا محل أي ضغط أو تهديد أو ابتزاز الأمم المتحدة.. المملكة العربية السعودية تجدد تأكيد دعمها للمبادرة المغربية للحكم الذاتي بالصحراء النجاعة الترابية وتحديات الأمن الاستراتيجي FIMAROSE تشارك في معرض COSMETIC 360 بباريس لتعزيز حضور الورد العطري المغربي في الأسواق الدولية المغرب بعد انتخابات 23 شتنبر.. فاطمة الزهراء المنصوري تقود تحولا في الخريطة السياسية وحكومة جديدة خارج عباءة الأغلبية السابقة
سياسة

المغرب بعد انتخابات 23 شتنبر.. فاطمة الزهراء المنصوري تقود تحولا في الخريطة السياسية وحكومة جديدة خارج عباءة الأغلبية السابقة

بقلم الحدث بريس... 12 أكتوبر، 2026 00:12
المغرب بعد انتخابات 23 شتنبر.. فاطمة الزهراء المنصوري تقود تحولا في الخريطة السياسية وحكومة جديدة خارج عباءة الأغلبية السابقة

بقلم: إدريس بوداش | الحدث بريس

لم يكن تصدر حزب الأصالة والمعاصرة نتائج الانتخابات التشريعية ليوم 23 شتنبر 2026 مجرد تحول في ترتيب الأحزاب داخل مجلس النواب، بل شكل نقطة انطلاق لإعادة ترتيب الخريطة السياسية المغربية، في سياق تتجه فيه البلاد نحو تشكيل حكومة جديدة بقيادة فاطمة الزهراء المنصوري، وبأغلبية تستند إلى تحالف يجمع الأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية، في مقابل انتقال التجمع الوطني للأحرار إلى المعارضة.

وتكمن أهمية هذا التحول في أنه لا يتعلق فقط بتغيير الحزب الذي يقود الحكومة، وإنما بإعادة توزيع الأدوار بين مكونات الحقل الحزبي، وإعادة رسم العلاقة بين الأغلبية والمعارضة، وفتح المجال أمام صيغة حكومية تستحضر تجارب سياسية مختلفة، في محاولة لبناء توازن جديد داخل المؤسسات المنتخبة.

وفي هذا السياق، يكتسب خطاب الملك محمد السادس بمناسبة افتتاح الدورة التشريعية الجديدة، يوم 9 أكتوبر 2026، أهمية خاصة، لأنه وضع أولويات المرحلة المقبلة في لحظة تتشكل فيها ملامح السلطة التنفيذية الجديدة، وتنتظر فيها الأحزاب ترجمة نتائج الانتخابات إلى مشروع حكومي قادر على مواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية.

إن قراءة هذه المرحلة تقتضي تجاوز التوصيف التقليدي للتحالفات، والبحث في دلالات انتقال التجمع الوطني للأحرار إلى المعارضة، وأسباب التقارب بين الأصالة والمعاصرة وأحزاب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية، ثم طبيعة التحديات التي ستواجه فاطمة الزهراء المنصوري في قيادة أغلبية متعددة المكونات.

الخطاب الملكي.. سقف سياسي وتنموي للمرحلة الجديدة

جاء الخطاب الملكي أمام أعضاء البرلمان حاملا توجيهات ترتبط باستمرارية الأوراش الاستراتيجية، وتسريع التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتعزيز الأمن المائي والطاقي والغذائي، وتطوير الصناعة والاقتصاد الرقمي، ووضع قضايا الشباب في صلب السياسات العمومية.

وتكتسب هذه التوجيهات أهميتها من ارتباطها بالمرحلة التي ستباشر فيها الحكومة الجديدة مهامها، إذ سيكون عليها الانتقال من مرحلة المشاورات السياسية إلى مرحلة تحديد الأولويات وتوزيع المسؤوليات وإعداد البرنامج الحكومي.

غير أن الدلالة السياسية الأعمق للخطاب تكمن في أن تشكيل حكومة جديدة لا يمثل غاية في حد ذاته، بل يشكل مدخلا مؤسساتيا لتدبير مرحلة تتطلب تحقيق نتائج ملموسة في عدد من المجالات الحيوية.

فالتحدي لم يعد مرتبطا فقط بإنجاز المشاريع الكبرى أو إطلاق برامج جديدة، وإنما بمدى قدرة السياسات العمومية على تحسين حياة المواطنين، وخلق فرص الشغل، وتعزيز جودة الخدمات الصحية والتعليمية، وتوسيع قاعدة الاستثمار المنتج.

ومن ثم، فإن الحكومة المقبلة ستكون مطالبة ببناء علاقة واضحة بين الأولويات الاستراتيجية والالتزامات التنفيذية، بما يسمح بتقييم أدائها على أساس النتائج، لا على أساس التصريحات أو حجم البرامج المعلنة.

كما أن هذه المرحلة تضع البرلمان أمام مسؤولية موازية، تتمثل في مواكبة العمل الحكومي بالتشريع والرقابة والتقييم، بما يضمن أن تتحول الأولويات المعلنة إلى سياسات قابلة للتنفيذ والمساءلة.

فاطمة الزهراء المنصوري.. من قيادة الحزب إلى إدارة توازنات الحكومة

يشكل تعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة، يوم 29 شتنبر 2026، محطة بارزة في المشهد السياسي المغربي، بعدما كلفها الملك محمد السادس بتشكيل الحكومة الجديدة، بموجب الفصل 47 من الدستور. 

ويضع هذا التكليف المنصوري أمام مسؤولية سياسية تتجاوز تدبير المشاورات وتوزيع الحقائب الوزارية، لتشمل بناء أغلبية منسجمة، قادرة على الاتفاق حول برنامج مشترك، وإدارة الاختلافات التي قد تظهر بين مكوناتها خلال ممارسة السلطة.

فقيادة الحكومة تختلف عن قيادة الحزب؛ إذ تتطلب الأولى التوفيق بين اعتبارات سياسية وبرنامجية متعددة، وتدبير العلاقة بين الشركاء، وضمان استمرارية العمل الحكومي، فيما تقتضي الثانية الحفاظ على وحدة التنظيم ومواقفه.

وفي حالة الأغلبية المرتقبة، تزداد هذه المسؤولية أهمية بالنظر إلى اختلاف التجارب السياسية والتنظيمية للأحزاب المشاركة، وإلى الوزن البرلماني الذي يحتله كل مكون داخل مجلس النواب.

وهنا يبرز الاختبار الحقيقي لرئيسة الحكومة المكلفة: هل ستنجح في تحويل التفاهمات الحزبية إلى مشروع حكومي واضح، يحدد الأولويات والمسؤوليات وآليات التنفيذ، أم ستظل إدارة التوازنات الداخلية للأغلبية تستنزف جزءا مهما من الجهد السياسي للحكومة؟

لا يتعلق الأمر بالتشكيك في قدرة التحالف على العمل، وإنما بالإشارة إلى أن الانسجام الحكومي لا ينتج تلقائيا عن اتفاق الأحزاب على المشاركة، بل يتطلب وضوحا في البرنامج، وتحديدا للمسؤوليات، وآليات فعالة لتسوية الخلافات.

خروج التجمع الوطني للأحرار من الحكومة.. نهاية مرحلة وبداية موقع سياسي جديد

من أبرز التحولات التي تميز المرحلة الحالية انتقال التجمع الوطني للأحرار إلى المعارضة، بعد قيادته الحكومة السابقة، في مقابل توجه الأصالة والمعاصرة إلى تشكيل أغلبية جديدة مع أحزاب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية.

ويكتسي هذا التحول أهمية خاصة لأن التجمع الوطني للأحرار لم يكن مجرد شريك ثانوي في الأغلبية السابقة، بل قاد الحكومة التي تحملت مسؤولية تدبير عدد من الملفات الاقتصادية والاجتماعية خلال الولاية الماضية.

وبالتالي، فإن انتقاله إلى المعارضة يعني تغير موقعه في معادلة المسؤولية السياسية، من المشاركة المباشرة في اتخاذ القرارات الحكومية إلى مساءلة اختيارات الأغلبية الجديدة ومراقبة تنفيذ برنامجها.

لكن المعارضة ليست بالضرورة موقعا سياسيا ضعيفا؛ فالتجمع الوطني للأحرار يدخل هذه المرحلة بكتلة برلمانية من 66 مقعدا، ما يمنحه حضورا مهما داخل مجلس النواب، وقدرة على التأثير في النقاشات التشريعية والسياسية، شريطة أن يحدد بوضوح أولوياته ومواقفه من السياسات الحكومية.

ومن جهة أخرى، فإن انتقال الحزب إلى المعارضة يطرح سؤالا يتعلق بكيفية تعامله مع حصيلة الحكومة التي قادها، والتمييز بين الدفاع عن اختياراته السابقة وممارسة دور رقابي يفرض عليه تقييم السياسات العمومية في ضوء نتائجها.

أما بالنسبة إلى الأغلبية الجديدة، فإن خروج التجمع الوطني للأحرار يفتح المجال أمام إعادة ترتيب المسؤوليات السياسية، لكنه يحملها في المقابل مسؤولية واضحة عن القرارات التي ستتخذها، بعيدا عن إمكانية إسناد التعثرات المستقبلية إلى شركاء سابقين.

وهكذا، فإن التحول لا يتعلق فقط بتغيير موقع حزب داخل البرلمان، وإنما بإعادة تحديد المسؤولية السياسية أمام الرأي العام، بين أغلبية مطالبة بالتنفيذ ومعارضة مطالبة بالرقابة وتقديم البدائل.

أغلبية من 210 مقاعد.. توازن عددي يحتاج إلى مشروع سياسي

تقوم الصيغة الحكومية التي نتناولها على تحالف يضم الأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية.

وبحسب النتائج الانتخابية التي أُعلن عنها، حصل الأصالة والمعاصرة على 97 مقعدا، والاستقلال على 65 مقعدا، والاتحاد الاشتراكي على 26 مقعدا، والتقدم والاشتراكية على 19 مقعدا، ليبلغ مجموع المقاعد 207.

ويرتفع العدد إلى 210 مقاعد عند احتساب المقعدين المرتبطين بجبهة القوى الديمقراطية والمقعد المرتبط بحزب الديمقراطيين الجدد ضمن الحساب السياسي الذي يقوم عليه هذا التحليل.

ويأتي ذلك في سياق إعلان الأحزاب الثلاثة، يوم 9 أكتوبر، تشكيل فريق برلماني مشترك، وفق البلاغ الذي أرسلته إلى هيئة التحرير. غير أن هذا التنسيق البرلماني ينبغي تمييزه مؤسسيا عن اتفاق المشاركة في الحكومة.

ومع ذلك، فإن احتساب 210 مقاعد يمنح الأغلبية المرتقبة قاعدة برلمانية تتجاوز عتبة الأغلبية المطلقة، المحددة في 198 مقعدا من أصل 395 عضوا بمجلس النواب.

لكن الأرقام، مهما كانت دلالتها، لا تفسر وحدها طبيعة التحالف ولا تضمن نجاحه.

فالأغلبية البرلمانية قد تكون متماسكة عند التصويت على تنصيب الحكومة، لكنها تواجه اختبارات مختلفة عند مناقشة الميزانية، أو اتخاذ قرارات اقتصادية واجتماعية صعبة، أو تحديد أولويات الاستثمار العمومي، أو مراجعة بعض السياسات القطاعية.

وهنا يصبح السؤال الجوهري: هل ستكتفي الأحزاب الأربعة بتجميع قوتها البرلمانية لتشكيل الحكومة، أم ستنجح في صياغة مشروع سياسي مشترك يتجاوز توزيع المسؤوليات إلى الاتفاق حول الخيارات الكبرى؟

إن الإجابة عن هذا السؤال ستحدد طبيعة الأغلبية الجديدة، وما إذا كانت ستتحول إلى تحالف حكومي متماسك أم ستظل مرتبطة بالتوازنات التي أفرزتها المفاوضات.

الاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية.. عودة إلى واجهة القرار بصيغة مختلفة

إن اجتماع الاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية في أغلبية واحدة يمنح التحالف المرتقب بعدا سياسيا يتجاوز الحسابات العددية.

فالأحزاب الثلاثة راكمت تجارب مختلفة في المشاركة الحكومية والمعارضة والعمل البرلماني، كما تحمل خلفيات سياسية وتنظيمية متباينة، رغم ما يجمع بينها من محطات تاريخية مشتركة.

غير أن وجودها إلى جانب الأصالة والمعاصرة في حكومة واحدة لا يعني عودة الكتلة الديمقراطية التاريخية بصيغتها الأصلية، بل يشير إلى تشكل صيغة ائتلافية جديدة، في سياق مختلف من حيث موازين القوى وطبيعة التحديات المطروحة.

وتكمن أهمية هذه التركيبة في أنها تجمع حزبا متصدرا للانتخابات، وحزبا يحتل المرتبة الثانية داخل الأغلبية، إلى جانب حزبين يمتلكان تجارب سياسية وبرلمانية ممتدة.

ومن شأن هذا التنوع أن يوسع قاعدة التوافق داخل الحكومة، لكنه قد يطرح أيضا تحديات تتعلق بتحديد الأولويات، خصوصا عندما يتعلق الأمر بالاختيارات الاقتصادية والاجتماعية وتوزيع الموارد العمومية.

فالأحزاب لا تدخل الحكومة وهي متطابقة بالضرورة في جميع مواقفها، وإنما تتفاوض للوصول إلى برنامج مشترك، مع احتفاظ كل حزب بمرجعيته وهويته التنظيمية.

وبالتالي، فإن نجاح التحالف سيعتمد على قدرته على تحويل التنوع السياسي إلى مصدر للتكامل، بدلا من أن يصبح سببا في التنافس الداخلي أو تضارب المواقف.

هل نحن أمام إعادة توزيع للأدوار داخل الحقل الحزبي؟

تسمح الخريطة السياسية الجديدة بقراءة التحالف المرتقب باعتباره إعادة توزيع للأدوار بين عدد من الأحزاب، وليس مجرد تغيير في تركيبة الحكومة.

فالأصالة والمعاصرة ينتقل إلى موقع قيادة السلطة التنفيذية، والاستقلال يرسخ حضوره بوصفه أحد المكونات الرئيسية للأغلبية، بينما يعود الاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية إلى المشاركة الحكومية ضمن صيغة جديدة.

وفي المقابل، ينتقل التجمع الوطني للأحرار إلى المعارضة، في تحول يعيد رسم خطوط التنافس السياسي داخل البرلمان.

غير أن هذا التحول لا يعني بالضرورة إعادة تشكيل النظام الحزبي بصورة نهائية؛ فالمواقع السياسية تتأثر بأداء الحكومة، وبقدرة المعارضة على بناء خطاب بديل، وبمدى تفاعل الأحزاب مع القضايا التي تشغل المواطنين.

كما أن نتائج الانتخابات لا تمنح أي حزب ضمانة دائمة بالاحتفاظ بموقعه، لأن المشاركة في الحكومة تضعه أمام مسؤولية مباشرة عن القرارات والنتائج.

ومن هنا، فإن المرحلة المقبلة قد تشكل اختبارا للأحزاب المشاركة في الحكومة، وكذلك للأحزاب التي ستجد نفسها خارجها، لأن كليهما سيكون مطالبا بإعادة تعريف دوره السياسي في ضوء موازين القوى الجديدة.

التحدي الاجتماعي.. المعيار الذي سيحسم تقييم الحكومة

على الرغم من أهمية التحولات الحزبية، فإنها لا يمكن أن تحجب التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي ستواجه الحكومة المقبلة.

فالتشغيل، والقدرة الشرائية، وجودة الخدمات الصحية والتعليمية، وتطوير الاستثمار، وتعزيز الحماية الاجتماعية، تظل ملفات أساسية في تقييم أي حكومة.

ويكتسب هذا الأمر أهمية خاصة في ضوء التوجيهات الملكية التي أكدت ضرورة جعل قضايا الشباب في صلب السياسات العمومية، وربط التنمية الاقتصادية بتحسين الأوضاع الاجتماعية.

لكن تحويل هذه الأولويات إلى نتائج يتطلب أكثر من التوافق السياسي؛ فهو يحتاج إلى برامج واضحة، وتمويل واقعي، وتنسيق بين القطاعات الحكومية، وإدارة قادرة على التنفيذ والتقييم.

كما يتطلب تحديد مؤشرات تسمح بقياس التقدم، مثل عدد فرص الشغل المستدامة، وحجم الاستثمار المنجز فعليا، وتحسن الخدمات العمومية، ومدى استفادة مختلف الفئات الاجتماعية من البرامج الحكومية.

وفي هذا الإطار، ستكون الحكومة الجديدة مطالبة بإظهار العلاقة بين اختياراتها الاقتصادية وأثرها الاجتماعي، حتى لا تبقى التنمية محصورة في مؤشرات عامة لا يشعر المواطن بنتائجها في حياته اليومية.

إن التحدي الأساسي يتمثل في بناء سياسات تجمع بين استمرارية المشاريع الاستراتيجية والاستجابة للحاجات الاجتماعية المباشرة، مع الحفاظ على التوازنات المالية والقدرة التنافسية للاقتصاد الوطني.

منالخطاب الملكي إلى البرنامج الحكومي.. أين تبدأ المحاسبة؟

يشكل الخطاب الملكي إطارا مرجعيا للأولويات الاستراتيجية التي ينبغي أن تستحضرها الحكومة والبرلمان خلال المرحلة المقبلة.

لكن مسؤولية الحكومة تتمثل في تحويل هذه الأولويات إلى برنامج تنفيذي يحدد الأهداف والوسائل والآجال، ويوضح كيفية توزيع المسؤوليات بين القطاعات الوزارية.

ومن هنا، فإن البرنامج الحكومي سيكون الوثيقة الأساسية التي تسمح بتقييم مدى استجابة الأغلبية الجديدة للتوجيهات الملكية، لأنه سيكشف طبيعة الالتزامات التي تتعهد الحكومة بتنفيذها، وكيفية ترتيبها ضمن السياسات العمومية.

كما أن عرض البرنامج أمام البرلمان ومناقشته يتيحان فرصة لتوضيح الاختيارات الحكومية، ومساءلة رئيسة الحكومة والوزراء بشأن الأهداف التي يلتزمون بتحقيقها.

وستكون أهمية هذه المرحلة في الانتقال من منطق إعلان النوايا إلى منطق الالتزامات القابلة للتتبع، مع ضرورة نشر المعطيات المتعلقة بالتنفيذ والنتائج بصورة منتظمة.

فالمحاسبة لا تبدأ عند نهاية الولاية الحكومية، بل منذ اللحظة التي تقدم فيها الحكومة برنامجها وتحدد أهدافها، لأن وضوح الالتزامات هو الشرط الأول لتقييم ما تحقق وما تعثر.

مرحلة جديدة لا يكفي فيها امتلاك الأغلبية

إن التحولات التي أفرزتها الانتخابات التشريعية لسنة 2026 تفتح مرحلة جديدة في الحياة السياسية المغربية، عنوانها انتقال الأصالة والمعاصرة إلى قيادة الحكومة، وخروج التجمع الوطني للأحرار إلى المعارضة، وتشكيل أغلبية مرتقبة تضم الاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية إلى جانب الحزب المتصدر للانتخابات.

وتحمل هذه الصيغة دلالات سياسية متعددة، لأنها تعيد ترتيب العلاقات بين الأحزاب، وتضع مكونات مختلفة أمام مسؤولية العمل المشترك، وتفتح المجال أمام اختبار جديد لقدرة التحالفات الحزبية على إنتاج سياسات عمومية فعالة.

لكن قوة الأغلبية لن تقاس فقط بعدد المقاعد التي تمتلكها، كما أن أهمية المعارضة لن تتحدد بمجرد وجودها خارج الحكومة، بل بقدرة كل طرف على أداء دوره داخل المؤسسات.

فالأغلبية مطالبة بالإنجاز، والمعارضة مطالبة بالرقابة وتقديم البدائل، والبرلمان مطالب بممارسة اختصاصاته التشريعية والرقابية، فيما تظل الحكومة مسؤولة عن تحويل البرنامج إلى نتائج قابلة للتقييم.

وفعليه،فإن المرحلة الجديدة لن تحسمها الحسابات البرلمانية وحدها، بل ستحددها قدرة الفاعلين السياسيين على الانتقال من التوافق حول تشكيل الحكومة إلى التوافق حول الإصلاح، ومن توزيع المسؤوليات إلى تحمل نتائج القرارات، ومن إعلان الأولويات إلى تنفيذه.

أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :‫‫عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.