تحولت الحلقة الأولى من مسلسل “شكون كان يقول”، المعروض على القناة الأولى خلال شهر رمضان، من عمل درامي يفترض أن يحمل رسائل اجتماعية إلى شرارة جدل واسع بعد تضمّنها عبارات اعتبرها كثير من أبناء الرشيدية مسيئة لسمعتهم وهويتهم الجماعية. هذه المشاهد التي أثارت غضباً لافتاً سرعان ما تجاوزت شبكات التواصل الاجتماعي لتصل إلى المؤسسة التشريعية.
الجدل يبدأ من الشاشة: لماذا أثار العمل غضب سكان الرشيدية؟
وأثار المحتوى الذي حملته بعض المشاهد استياء عميقا وسط فاعلين محليين وعموم المواطنين، معتبرين أن المسلسل قدم صورة نمطية ومهينة عن أبناء المنطقة. وتفاعل رواد مواقع التواصل بسرعة، معتبرين أن العمل يعيد إنتاج خطاب يسهم في الإساءة لساكنة الرشيدية وموروثهم الثقافي، بدل أن يعكس التنوع الحقيقي للهويات المحلية. هذا الغضب لم يكن مجرد ردة فعل عاطفية، بل انتقل إلى المطالبة بمحاسبة المسؤولين عن بث محتوى ينظر إليه على أنه تشويه ممنهج لصورة منطقة لطالما تعاني من الإقصاء الإعلامي.
منصات التواصل تشعل النقاش: هل فشل الإعلام العمومي في تمثيل الهوية الجهوية؟
وطرح الجدل مجددا سؤالا عميقا حول كيفية تعاطي الإعلام العمومي مع الجهات، ومدى اعتماده على صور نمطية جاهزة لاستدرار الإثارة الدرامية.
ويرى مراقبون أن ما وقع يكشف خللا بنيويا في علاقة القنوات الرسمية بالمجالات الترابية المهمشة، إذ غالبا ما يتم تقديمها في قالب تبخيسي، ما يكرّس فجوة الثقة بين المواطن ومؤسّسات الإعلام العمومي.
تدخل برلماني غير مسبوق: ممثلو الرشيدية يجرون الوزير إلى المساءلة
ووجه المستشار البرلماني إسماعيل العالوي (جهة درعة تافيلالت) والنائب البرلماني مولاي الحسن بنلفقيه (إقليم الرشيدية) سؤالين إلى وزير الشباب والثقافة والتواصل، في خطوة تعكس حجم الاستياء الشعبي.
وطالب البرلمانيان في السؤال الموجه للوزير بنسعيد والذي إطلع عليه فريق عمل جريدة “الحدث بريس”الالكترونية بتوضيحات حول: كيفية مرور مضمون المسلسل عبر لجان الرقابة قبل البث، والمسؤولية القناة الأولى، والإجراءات المزمع اتخاذها لمنع تكرار مثل هذه الإساءة، وإمكانية تقديم اعتذار رسمي لسكان المنطقة.
ويؤكد البرلمانيون أن المسألة لا تتعلق بمجرد خطأ تقني أو زلة لفظية، بل باحترام كرامة المواطنين وصورتهم.
رد الوزارة المرتقب: اختبار جديد للمساءلة الإعلامية
ويترقب الرأي العام ما سيصدر عن وزارة الشباب والثقافة والتواصل، خصوصا في ظل المطالب الواسعة بفتح تحقيق وتحديد المسؤوليات.
ويتساءل كثيرون: هل ستقوم الوزارة بمراجعة آليات مراقبة المحتوى؟ أم ستكتفي بتبريرات تقنية؟ الملف، وفق مختصين، يتجاوز المسلسل ذاته، ويمس سؤالا أكبر حول دور الإعلام العمومي في تعزيز الانتماء الوطني، وليس إنتاج التفرقة والتمييز.
ما بين حرية الإبداع وواجب الاحترام: هل يحتاج الإعلام المغربي إلى مراجعة عميقة؟
وأعاد هذا الجدل فتح النقاش حول الحدود الفاصلة بين حرية الإبداع وحرمة المس بكرامة الجماعات والأفراد. فرغم أن الدراما تمنح هامشا واسعا في التخييل. إلا أن الكثيرين يرون أن تصوير جهة بكاملها بمنطق تبخيسي يتعارض مع مبادئ العدالة الترابية والتمثيل المنصف.
ويرى محللون أن المطلوب ليس الرقابة على الأعمال الفنية، بل إعادة تأهيل غرف التحرير والسيناريو. وتعزيز حساسية التعامل مع الهويات المحلية داخل المشهد الدرامي.
هل تكون أزمة مسلسل”شكون كان يقول” نقطة تحول؟
ويقف الإعلام العمومي اليوم أمام محطة اختبار حقيقية. فالقضية لم تعد مجرد جدل موسمي. بل تحولت إلى نقاش وطني حول أخلاقيات الإنتاج الدرامي وواجب احترام المواطنين.
ويبقى السؤال مفتوحا: هل سيدفع هذا الغضب الشعبي والبرلماني إلى إصلاحات جذرية داخل القطاع. أم أن الأزمة ستظل مجرد عاصفة عابرة في سماء رمضان؟






