تستضيف واشنطن يومي 23 و24 فبراير جولة جديدة من المفاوضات المغلقة حول مستقبل قضية الصحراء المغربية، في خطوة تعيد تحريك واحد من أعقد الملفات الإقليمية، وذلك بدعوة من مبعوث الرئيس الأميركي إلى أفريقيا، مسعد بولوس. وتأتي الاجتماعات في سياق دقيق يعرف تصاعد التوتر الإقليمي وعودة الاهتمام الدولي بملف الصحراء ضمن رؤية جيوسياسية جديدة.
جولة ثانية خلال شهر: لماذا الآن؟
وتشكل هذه المفاوضات الجولة الثانية خلال أقل من شهر، بعد أول لقاء احتضنته مدريد الأسبوع الماضي، وصفت مداولاته بأنها “بناءة” وفقا لتصريحات بولوس.
وتطرح هذه الوتيرة السريعة أسئلة حول الضغوط الإقليمية والدولية التي تدفع نحو تسريع المسار السياسي، خصوصا في ظل التحولات العميقة التي يعرفها شمال أفريقيا والساحل.
من يجلس حول الطاولة؟ أربعة أطراف رئيسية ووسيط دولي
وتشهد مفاوضات واشنطن حضور: وزير الخارجية المغربي، ووزير الخارجية الجزائري، ووزير الخارجية الموريتاني، وممثل عن جبهة البوليساريو، والمبعوث الأممي ستيفان دي ميستورا. هذا التمثيل السياسي الرفيع يعكس أهمية اللحظة وحرص الأطراف الدولية، وخاصة الولايات المتحدة، على إعادة ضبط قواعد الحوار.
الدور الأميركي: وساطة أم إعادة صياغة المعادلة؟
وتبدو واشنطن بصدد لعب دور محوري في هندسة مسار جديد للحل، وذلك من خلال مبعوثها مسعد بولوس، انطلاقا من: تأثيرها الدولي في مجلس الأمن، وعلاقتها الاستراتيجية مع المغرب، وإدراكها لتداعيات الصراع على الاستقرار الإقليمي، وارتفاع التهديدات المرتبطة بالساحل والإرهاب والتهريب العابر للحدود. وقد تمثل هذه الدبلوماسية الأميركية بُعدًا أكثر حسماً مقارنة بالمقاربات الأوروبية التقليدية.
مدريد… محطة أولى لتهيئة الأرضية
وتكشف التسريبات أن الاجتماعات الأولية في العاصمة الإسبانية شكلت اختبارا لحدود التفاهم الممكن، وأن المداولات أظهرت استعدادا أوليا للانتقال نحو مقاربة أكثر واقعية، رغم استمرار تباعد المواقف. وهذه الإشارات جعلت واشنطن تعجل بعقد الجولة الثانية على أراضيها، في محاولة لتثبيت ما اعتبره بولوس “تقدما أوليا”.
رهانات الأطراف: ما الذي يمكن أن يقبلوا به؟
ويواصل المغرب التمسك بمبادرة الحكم الذاتي باعتبارها الخيار الواقعي الوحيد لتسوية النزاع، فيما يسعى إلى تعزيز الاعتراف الدولي بمغربية الصحراء من خلال الدبلوماسية المتعددة الأطراف. وفي السياق نفسه، يحرص على ضمان استقرار المنطقة وتسريع وتيرة التنمية بالأقاليم الجنوبية بوصفها جزءا من رؤيته الاستراتيجية.
وتحاول الجزائر الحفاظ على دورها الإقليمي وصورتها كمدافع عن “حق تقرير المصير”، بينما تعمل في الوقت ذاته على تفادي العزلة السياسية المتزايدة. خاصة مع اتساع رقعة الدول الداعمة للموقف المغربي.
وتستمر البوليساريو في التمسك بخيار “الاستفتاء” رغم تراجع الدعم الدولي لهذا الطرح، وتسعى إلى تقوية موقعها التفاوضي بحثا عن اعتراف سياسي يعيدها إلى الواجهة الدبلوماسية.
وتواصل موريتانيا الالتزام بالحياد الإيجابي في التعامل مع الملف. مع الحرص على حماية مصالحها الحدودية والأمنية. بالنظر إلى حساسية موقعها الجغرافي بين الأطراف المتنازعة.
هل نحن أمام تحول سياسي أم جولة أخرى بلا نتائج؟
وتكشف المؤشرات الأولية عن رغبة أميركية واضحة في كسر الجمود، رغم الطابع السري للمفاوضات. وتعكس في الوقت ذاته تزايد تفهم المجتمع الدولي لمبدأ الواقعية السياسية. ويدرك مختلف الأطراف خطورة استمرار الوضع الراهن وما قد يفرزه من توترات مستقبلية.
وتوضح المعطيات على الأرض أن التوصل إلى صيغة نهائية للتفاهم سيبقى، على الأرجح، رهينا بتوازنات إقليمية ودولية معقدة. كما يفرض منطق الجغرافيا السياسية شروطا تجعل أي اتفاق محتمل مشروطا بحسابات دقيقة تتجاوز إرادة الأطراف المباشرة.
واشنطن تتحرك… والمنطقة تترقب
وتكشف مفاوضات واشنطن أنها ليست مجرد نقاش سياسي عابر، بل اختبار دبلوماسي حاسم قد يرسم ملامح مستقبل المنطقة خلال السنوات المقبلة. وتحدد نتائج الأيام القادمة ما إذا كانت هذه الجولة ستحدث اختراقا نحو تسوية حقيقية… أم ستعيد فقط تدوير الأزمة. لتتحول إلى محطة جديدة في مسار تفاوضي طويل يمتد منذ عقود.






