تشهد موريتانيا في الأسابيع الأخيرة ظهور أصوات سياسية وإعلامية تحاول إحياء مطالب قديمة تتعلق بمدينة الكويرة الواقعة في أقصى جنوب الصحراء المغربية، في خطوة تعد خروجا غير مسبوق عن حياد تاريخي حافظت عليه نواكشوط لأكثر من نصف قرن. هذا الحراك المفاجئ يتزامن مع اقتراب الحسم الدولي لقضية الصحراء المغربية. ما يجعل توقيته ودوافعه محط تساؤلات وتحليل.
تيار جديد في موريتانيا يكسر حياد 50 سنة
ويذكر أنه منذ توقيع اتفاقية مدريد سنة 1975 وتخلي موريتانيا رسميا عن إقليم وادي الذهب سنة 1979، لم تبد نواكشوط أي مطالبة بالأراضي الجنوبية للصحراء المغربية. لكن الخطاب الجديد الذي برز في بعض المنابر — بعيدا عن الموقف الرسمي — يحاول تقديم “الكويرة” كمنطقة موريتانية. في مزايدة سياسية لا تخدم سوى الأطروحة الانفصالية للبوليساريو.
ويرى مراقبون أن هذا التوجه يهدف إما إلى مساومة المغرب في مرحلة حساسة، أو إلى استثمار ورقة الصحراء للضغط الداخلي في موريتانيا. دون أي سند قانوني أو تاريخي.
وثائق الأمم المتحدة تحسم النزاع: موريتانيا اعترفت بالتخلي النهائي عن الكويرة
ويتبين أن التحركات الأخيرة تصطدم بصخرة الوثائق الرسمية. فالوثيقة الأممية A/34/427 الصادرة سنة 1979 — والموقعة من طرف الممثل الدائم لموريتانيا آنذاك — تؤكد بوضوح أن: موريتانيا تخلت طوعا عن وادي الذهب والكويرة، وحدودها القانونية هي نفسها منذ استقلال 1960، والكويرة ليست جزءا من التراب الموريتاني. وهذه الوثيقة، المحفوظة في أرشيف الأمم المتحدة، تجعل أي حديث عن “مطالب تاريخية” مجرد ادعاءات لا تستند لأي مرجع قانوني. بل تتعارض مع ما اعترفت به موريتانيا نفسها أمام المنتظم الدولي.
السياق الإقليمي والدولي: لماذا الآن؟
ويأتي تزامن التصعيد الكلامي مع: تقوية المغرب لنموذجه التنموي في الصحراء، والاعترافات المتتالية بدعم مغربية الصحراء من قوى دولية كبرى، وتراجع نفوذ البوليساريو وانقسامه الداخلي، وتغير موازين القوى في الساحل بعد انسحاب فرنسي وصعود نفوذ قوى أخرى. وهذه التحولات تجعل أي محاولات لمهاجمة السيادة المغربية على الأراضي الجنوبية خارج الزمن السياسي.
بين التهدئة الرسمية والزوبعة الإعلامية
ويبدو أنه من المهم الإشارة إلى أن الموقف الرسمي الموريتاني لم ينخرط في هذا التصعيد، إذ تواصل نواكشوط التعبير عن “الحياد الإيجابي” ودعم الحل السياسي تحت رعاية الأمم المتحدة. ما يجري حاليا يبدو أقرب إلى: مبادرات فردية، وتوظيف سياسي داخلي، أو مجاراة دوائر إعلامية مرتبطة بجهات معادية لوحدة المغرب الترابية. ولكن خطورة هذه الخطابات تكمن في أنها تخلق أزمة مصطنعة في منطقة تحتاج إلى استقرار لا إلى صراعات وهمية.
الكويرة.. سيادة مغربية راسخة وفراغ مغاربي لا يتحمل المغامرات
ويظهر أن الثابت الوحيد في هذا الملف هو أن السيادة المغربية على الكويرة ثابتة قانونيا، وأن كل ما عدا ذلك مجرد ضوضاء سياسية قصيرة العمر. فالكويرة: جزء من إقليم وادي الذهب. وتمتد عليها السيادة المغربية منذ انسحاب موريتانيا سنة 1979. ولم يسبق لأي دولة أو هيئة أممية أن اعترفت بغير ذلك، وأي محاولة للمساس بالوضع القائم قد تكون مغامرة غير محسوبة. خصوصا في منطقة تشهد حساسية إقليمية متزايدة.
التاريخ لا يعاد اختراعه بالإعلام
ويذكر أن التحركات الأخيرة ليست سوى محاولة للعودة بملف محسوم إلى نقطة الصفر، لكن الوثائق الأممية، والحقائق التاريخية. والمواقف الرسمية كلها تتحدث بلغة واحدة: الكويرة مغربية، وستظل كذلك، والمزايدات السياسية لن تغير من الحقائق شيئا.















