لم يعد ضعف الأداء الحكومي في تدبير السياسات العمومية مجرد انطباع سياسي متداول بين المعارضة والخبراء. بل تحول إلى معطى مؤسساتي موثق في تقارير رسمية (تقرير المجلس الأعلى للحسابات حول الحماية الاجتماعية). تتقاطع خلاصاتها حول أعطاب متكررة في الحكامة والتنفيذ وربط المسؤولية بالمحاسبة. فحين تسجل الاختلالات نفسها في أكثر من قطاع، وحين تتقدم الوعود بخطاب واثق فيما يتأخر الإصلاح على أرض الواقع. يصبح السؤال الملح ليس عمن يتحمل المسؤولية السياسية. بل عن كلفة هذا التعثر على ثقة المواطنين في الدولة وسياساتها الاجتماعية.
ويأتي ورش الحماية الاجتماعية، الذي روجت له الحكومة كعنوان للإصلاح الاجتماعي وكرامة العيش، في قلب هذا الاختبار القاسي. فبين شعارات التعميم، وأرقام الانخراط، وخطاب “الإنجاز”، يكشف تقرير المجلس الأعلى للحسابات صورة أقل تفاؤلا. متحدثا عن تعميم غير مكتمل، وحكامة مرتبكة، وكلفة مالية متصاعدة دون ضمانات واضحة للاستدامة أو العدالة. تقرير لا يكتفي بتسجيل الملاحظات، بل يعري اختلالات بنيوية في طريقة تدبير ورش يفترض أن يكون أولوية وطنية. ويضع الحكومة أمام سؤال جوهري لم يعد قابلا للتأجيل: هل الحماية الاجتماعية مشروع كرامة حقيقية… أم مجرد ملف يدار بمنطق تقني لتجنب الإحراج السياسي؟
تعميم متعثر، حكامة مهزوزة، وكلفة اجتماعية مقلقة
منذ إطلاق ورش تعميم الحماية الاجتماعية باعتباره أحد أكبر الإصلاحات البنيوية التي عرفها المغرب في العقود الأخيرة، رافقته وعود سياسية كبرى وخطابات رسمية رفعت سقف التوقعات إلى حد تقديمه كرافعة للعدالة الاجتماعية، وأداة لإنهاء الهشاشة، وضمان الكرامة لملايين المواطنين. غير أن تقرير المجلس الأعلى للحسابات، الصادر حديثا برسم سنتي 2024-2025، جاء ليكسر لغة الطمأنة ويضع هذا الورش الاستراتيجي تحت مشرط التقييم الصارم. مسجلا اختلالات بنيوية ونواقص تنفيذية تطرح أكثر من علامة استفهام حول المسار الحالي للإصلاح.
التقرير، الذي قدم أمام البرلمان في سياق سياسي واجتماعي دقيق، لا يكتفي برصد معطيات تقنية أو أرقام جافة. بل يتضمن نقدا صريحا لخيارات التدبير، ويحمل في مضامينه تقييما نقديا يتقاطع مع انشغالات الرأي العام وتساؤلات الخبراء حول نجاعة هذا الورش، واستدامته المالية، وعدالته الاجتماعية.
ورش بطموح وطني… وتنفيذ دون السقف المعلن
يذكر تقرير المجلس الأعلى للحسابات، بشكل غير مباشر، بأن ورش الحماية الاجتماعية لم يكن مجرد سياسة قطاعية. بل التزاما وطنيا ذا أبعاد دستورية واستراتيجية. وجرى تقديمه كتحول جذري ينتقل بالمغرب من منطق الاستهداف المحدود للفئات الهشة إلى تعميم شامل للحماية الصحية والتغطية الاجتماعية، يشمل العمال غير الأجراء، والمستقلين، والفلاحين، والعاملين في القطاع غير المنظم.
غير أن التقييم العام للتقرير يكشف عن فجوة واضحة بين الطموح المعلن والواقع التنفيذي. فعلى الرغم من تسجيل تقدم ملحوظ على مستوى عدد المنخرطين المسجلين في أنظمة التأمين الإجباري عن المرض، إلا أن التقرير يبرز أن هذا التوسع الكمي لم يواكب دائما بتحقيق استفادة فعلية ومتوازنة، ما يفرغ جزئيا فكرة “التعميم” من مضمونها الاجتماعي الحقيقي.
التغطية الصحية: أرقام كبيرة واستفادة محدودة
ومن أبرز النقاط التي توقف عندها المجلس الأعلى للحسابات، تلك المتعلقة بالفارق بين عدد المسجلين في أنظمة التغطية الصحية وعدد المستفيدين الفعليين من الخدمات. فرغم تسجيل ما يناهز 31 مليون منخرط في التأمين الإجباري عن المرض، يشير التقرير إلى أن نسبة الاستفادة الفعلية لا تزال دون المستوى المأمول، لأسباب تتعلق بضعف العرض الصحي، وتعقيد المساطر، وصعوبات الولوج، خاصة في العالم القروي والمناطق الهامشية.
ويعكس هذا المعطى اختلالا هيكليا في فلسفة الإصلاح، حيث جرى التركيز بشكل كبير على إدماج المواطنين في السجلات والأنظمة، دون ضمان شروط الاستفادة الواقعية من الخدمة الصحية، سواء من حيث القرب الجغرافي، أو جودة العلاج، أو آجال التكفل.
التقرير هنا لا يكتفي بالتشخيص، بل يوجه نقدا ضمنيا لفكرة الاختزال الإداري للإصلاح، الذي حول التعميم إلى عملية تسجيل واسعة، أكثر منها سياسة عمومية متكاملة تستحضر البنية الصحية الوطنية وقدرتها على الاستجابة.
حكامة متعددة الرؤوس… ومسؤوليات مشتتة
على مستوى الحكامة، يسجل المجلس الأعلى للحسابات واحدة من أكثر الملاحظات حساسية، تتعلق بتعدد المتدخلين، وتداخل الاختصاصات، وضعف التنسيق بين المؤسسات المشرفة على ورش الحماية الاجتماعية. فالتقرير يرصد غياب رؤية موحدة تؤطر تدخل مختلف الفاعلين، سواء تعلق الأمر بالإدارة المركزية، أو الصناديق المدبرة، أو القطاعات الحكومية المعنية.
هذا التشتت في المسؤوليات لا يؤثر فقط على نجاعة التنزيل، بل يربك آليات التتبع والتقييم، ويضعف منطق المحاسبة. فحين تتوزع المسؤولية بين عدة أطراف دون تحديد دقيق للأدوار، يصبح من الصعب تحميل أي جهة مسؤولية التعثرات المسجلة، وهو ما يشكل، في حد ذاته، خللا بنيويا في إصلاح يفترض فيه الوضوح والحزم.
الكلفة المالية: ورش اجتماعي أم قنبلة مؤجلة؟
أحد أكثر محاور التقرير حساسية، يتمثل في التحذير من اختلال التوازنات المالية لأنظمة الحماية الاجتماعية. خاصة على مستوى التأمين الإجباري عن المرض. فقد سجل المجلس ارتفاعا متسارعا في النفقات، مقابل موارد محدودة أو غير مستقرة، ما يهدد استدامة هذه الأنظمة على المدى المتوسط.
ويشير التقرير إلى أن بعض الأنظمة تعرف عجزا هيكليا، في ظل غياب آليات واضحة لإعادة التوازن، سواء عبر تحسين التحصيل، أو مراجعة سلة العلاجات، أو ترشيد النفقات. الأخطر من ذلك، أن هذا الوضع قد يفضي مستقبلا إلى تقليص جودة الخدمات، أو فرض أعباء مالية إضافية على المنخرطين، وهو ما يناقض جوهر الفلسفة الاجتماعية للإصلاح.
ويبدو التقرير، في هذا السياق، أقرب إلى جرس إنذار مبكر، يحذر من تحويل ورش اجتماعي طموح إلى عبء مالي صامت، إذا لم تتم معالجة مكامن الخلل بجرأة سياسية وحكامة صارمة.
الدعم الاجتماعي المباشر: إشكالات الاستهداف والفعالية
ولم يكتف المجلس الأعلى للحسابات بتقييم جانب التغطية الصحية، بل توقف أيضا عند برامج الدعم الاجتماعي المباشر، باعتبارها إحدى ركائز ورش الحماية الاجتماعية. وهنا يسجل التقرير ملاحظات نقدية تتعلق بمدى دقة الاستهداف، ونجاعة أدوات تحديد الأسر المستحقة، ومدى انعكاس الدعم على تحسين أوضاع الفئات الهشة.
ويبرز التقرير أن بعض آليات الاستهداف لا تزال تعاني من محدودية التحيين ودقة المعطيات، ما يفتح الباب أمام أخطاء الإقصاء أو الإدراج غير المبرر، وهو ما يهدد العدالة الاجتماعية التي يفترض أن يشكل الدعم إحدى أدواتها الأساسية.
صدى سياسي ونقاش عمومي متجدد
القيمة المضافة لتقرير المجلس الأعلى للحسابات لا تكمن فقط في محتواه التقني، بل في كونه أعاد فتح نقاش عمومي واسع حول ورش الحماية الاجتماعية، داخل البرلمان وخارجه. فقد سارعت مكونات سياسية ونقابية إلى استثمار خلاصاته في توجيه انتقادات مباشرة لتدبير الحكومة لهذا الملف، معتبرة أن التقرير يكشف فجوة واضحة بين الخطاب الرسمي والواقع الملموس.
تقرير مؤسساتي بلغة غير تجميلية
وما يلفت الانتباه في التقرير، هو ابتعاده عن لغة المجاملة أو التوصيف الحذر. واعتماده نبرة نقدية واضحة، تضع الإصبع على مكامن الخلل دون مواربة. وهو ما يعكس تحول دور المجلس الأعلى للحسابات من مجرد جهاز رقابي تقليدي إلى فاعل مؤسساتي يسهم في تصويب السياسات العمومية.
هذه اللغة غير التجميلية تمنح التقرير مصداقية عالية، وتجعل منه مرجعا أساسيا لأي نقاش جدي حول مستقبل الحماية الاجتماعية في المغرب، بعيدا عن الخطابات السياسية المؤقتة.
إلى أين يتجه ورش الحماية الاجتماعية؟
وفي ضوء خلاصات التقرير، يطرح السؤال الجوهري نفسه: هل نحن أمام ورش قابل للتصحيح وإعادة الضبط. أم أمام إصلاح يراكم اختلالاته بهدوء؟ الجواب، وفق منطق التقرير، لا يزال مفتوحا. لكنه مشروط بمدى استعداد صناع القرار للإنصات للنقد المؤسساتي، والانتقال من منطق الإعلان إلى منطق المعالجة الجذرية.
ويقف ورش الحماية الاجتماعية، كما يكشفه تقرير المجلس الأعلى للحسابات، اليوم عند مفترق طرق. إما إعادة ترتيب الأولويات، وضبط الحكامة، وتأمين الاستدامة المالية. أو الاستمرار في مسار قد يفضي إلى نتائج اجتماعية أقل من الانتظارات، رغم ضخامة الموارد المرصودة.
النقد ليس تقويضا بل شرط للإصلاح
لا يقدم تقرير المجلس الأعلى للحسابات حول الحماية الاجتماعية وصفة جاهزة. لكنه يضع أمام الدولة والمجتمع مرآة صريحة تعكس واقع ورش اجتماعي ضخم، لم يبلغ بعد مستوى الطموح المعلن. النقد الوارد في التقرير لا ينبغي قراءته كتشكيك في جدوى الإصلاح. بل كشرط أساسي لإنقاذه من الاختزال والتآكل التدريجي.
ومقالنا اليوم، من هذا المنطلق، ليس فقط مشروعا، بل واجبا مهنيا. يساهم في تعميق النقاش العمومي حول أحد أكثر الملفات ارتباطا بالحياة اليومية للمغاربة. ويعيد طرح السؤال المركزي: كيف نحول الحماية الاجتماعية من أرقام وتقارير… إلى كرامة ملموسة؟
كيف ننتقل من منطق التعميم العددي إلى منطق الأثر الاجتماعي؟
أولى الخطوات الجوهرية لتحويل الحماية الاجتماعية إلى كرامة ملموسة، تكمن في القطع مع منطق الاكتفاء بالأرقام والمؤشرات الكمية. والانتقال إلى تقييم قائم على الأثر الاجتماعي الحقيقي. فنجاح ورش بهذا الحجم لا يقاس بعدد المسجلين في الأنظمة أو حجم الاعتمادات المرصودة. بل بمدى تحسن ولوج المواطنين إلى العلاج، وتخفيف كلفة المرض، وتقليص الإحساس بالهشاشة.
ويقتضي ذلك اعتماد مؤشرات نوعية جديدة، تقيس رضا المستفيدين، وآجال التكفل، وجودة الخدمات الصحية، بدل الاقتصار على معطيات التسجيل والانخراط.
إعادة بناء الحكامة: وضوح القرار قبل توسيع التغطية
ويظهر تقرير المجلس الأعلى للحسابات أن أحد أعطاب ورش الحماية الاجتماعية يتمثل في حكامة متعددة الرؤوس، تربك التنفيذ وتضعف المساءلة. وعليه، فإن أي إصلاح حقيقي يمر عبر إعادة هيكلة منظومة الحكامة، بتحديد واضح للمسؤوليات، وتوحيد الرؤية الاستراتيجية، وتعزيز التنسيق بين مختلف المتدخلين.
فتوسيع التغطية الاجتماعية دون مركز قرار منسجم، يشبه توسيع شبكة دون صيانة البنية التحتية، وهو ما يفضي حتما إلى أعطاب متكررة وفقدان للثقة.
الاستثمار في العرض الصحي: الحلقة الغائبة في معادلة الكرامة
لا يمكن للحماية الاجتماعية أن تتحول إلى كرامة ملموسة، ما دام العرض الصحي يعاني من اختلالات مزمنة. سواء من حيث التوزيع الجغرافي، أو الموارد البشرية، أو التجهيزات. فالتغطية الصحية لا معنى لها إذا لم يجد المواطن طبيبا قريبا، أو مستشفى قادرا على التكفل، أو دواء متوفرا.
ومن هنا، يصبح الاستثمار في البنية الصحية شرطا موازيا، لا تابعا، لتعميم التغطية. وإلا تحول التأمين إلى وعد مؤجل لا يغير واقع المرض والهشاشة.
الاستدامة المالية: إصلاح شجاع بدل حلول ترقيعية
يحذر تقرير المجلس الأعلى للحسابات من اختلال التوازنات المالية لأنظمة الحماية الاجتماعية. وهو تحذير ينبغي التعامل معه بجرأة سياسية، لا بحلول ترقيعية مؤقتة. فالاستدامة المالية لا تعني تحميل المواطن أعباء إضافية. بل تمر عبر توسيع قاعدة المساهمين، ومحاربة التهرب، وتحسين حكامة النفقات، ومراجعة بعض الاختيارات غير المتوازنة.
والحفاظ على التوازنات المالية هو شرط لحماية الحق الاجتماعي نفسه/ لأن أي انهيار مالي مستقبلي سيقوض الثقة في المنظومة برمتها.
من الاستهداف التقني إلى الإنصاف الاجتماعي
وفيما يتعلق بالدعم الاجتماعي المباشر، يبرز التحدي في الانتقال من استهداف تقني مبني على قواعد بيانات غير مكتملة/ إلى مقاربة أكثر إنصافا ومرونة، تستحضر الواقع المتغير للأسر، وتقلص أخطاء الإقصاء والإدراج.
فالدعم لا يقاس فقط بحجم التحويلات، بل بمدى وصوله إلى مستحقيه، وقدرته على إحداث فارق فعلي في شروط العيش، لا مجرد تخفيف ظرفي للأعباء.
ربط الحماية الاجتماعية بالمحاسبة العمومية
ولكي تتحول الحماية الاجتماعية إلى كرامة ملموسة، يجب أن تدرج بشكل صريح ضمن منطق المحاسبة العمومية. أي أن تربط البرامج الاجتماعية بأهداف قابلة للتقييم، وأن يخضع المسؤولون عن تدبيرها للمساءلة السياسية والمؤسساتية.
ويشكل تقرير المجلس الأعلى للحسابات، في هذا السياق، فرصة لإرساء تقليد جديد. يجعل من النقد المؤسساتي أداة تصحيح، لا وثيقة تطوى في رفوف الأرشيف.
المجتمع شريك لا مجرد مستفيد
ولا يمكن لأي ورش اجتماعي أن ينجح دون إشراك فعلي للمجتمع المدني، والنقابات، والمهنيين الصحيين، ليس فقط في التنفيذ، بل في التقييم وصياغة الحلول. فالحماية الاجتماعية ليست خدمة تمنح من أعلى، بل عقد اجتماعي يفترض المشاركة، والشفافية، والثقة المتبادلة.
والسؤال الحقيقي الذي يطرحه تقرير المجلس الأعلى للحسابات لا يتعلق بوجود ورش الحماية الاجتماعية من عدمه. بل بكيفية إنقاذه من الاختزال الإداري، وتحويله إلى سياسة عمومية تحسن حياة الناس فعليا. فبين الأرقام والكرامة، توجد مسافة لا يردمها الخطاب، بل القرار، ولا يعبرها التسجيل، بل الإنصاف.











