يجهل كثير من سكان الرباط اليوم أن مدينتهم، قبل أقل من قرن، كانت مدينة بحرية بامتياز تمتلك ميناء نهريا نشطا على مصب أبي رقراق، فيما تحتفظ أزقة حي العكاري بأسماء تذكر بتلك الحقبة وتعيد رسم ملامح زمن كان فيه البحر جزءا من الحياة اليومية للرباطيين.
العكاري: الحي الذي حمل بصمات الرباط البحرية
وانتقل عدد من سكان المدينة العتيقة إلى فضاءات أرحب خلال بدايات وأواسط القرن العشرين، فبرز حي العكاري كواحد من أهم الأحياء الجديدة. وهناك، ما زالت الأزقة تحمل أسماء عائلات بحرية أو أندلسية الجذور مثل: ملين، برگاش، پلافريج، الرگراگي، الشرقاوي، قريون، الأزرق، القسطالي، زكيك… غير أن اللافت وجود أزقة تحمل اسمي الرايس مرسيل والرايس سباطة، وهما اسمان لا ينتميان فقط إلى عائلات راسخة في الرباط، بل إلى ذاكرة بحرية ارتبطت بميناء المدينة القديم على أبي رقراق.
من هم الرياس؟ ذاكرة البحارة الكبار
واشتهر كبار البحارة في الرباط بلقب ‘الرياس’ — جمع رايس، وكانوا يمثلون طبقة مهنية مرموقة تُمسك بزمام الملاحة وصيد السمك وحركة البضائع عبر النهر. وتنحدر عائلتا مرسيل وسباطة من أصول إيبيرية أندلسية، جاءت إلى المغرب مع موجات هجرة الموريسكيين بعد سنة 1609. وقد استقرت هذه العائلات في الرباط، واندماجت في نسيجها الاجتماعي. واحتفظت بحضور قوي داخل الوسط البحري.
ميناء الرباط النهري: شريان تجاري منسي
ويتبين أن الميناء النهري على أبي رقراق نشطا لقرون كانت وظيفته لم تكن فقط بحرية. بل اقتصادية وتجارية. وكان حيويا لمدينة الرباط وسلا قبل إنشاء الموانئ الجديدة.
وتجمع الشهادات التاريخية على أن المرسى استمر في أداء دوره إلى حدود سنة 1936. حين فقد أهميته بعد مشروع كبير غير الخريطة البحرية للمغرب.
ميناء القنيطرة: قرار استعماري غيّر وجه المنطقة
وقرر الماريشال ليوطي بناء ميناء كبير على وادي سبو، ونقل مركز الثقل البحري شمالا. واختار للميناء اسمه: Port Lyautey—الذي سيصبح لاحقا مدينة القنيطرة. هذا القرار أدى عمليا إلى إغلاق المرسى التاريخي للرباط. وتحويل المدينة تدريجيا إلى عاصمة إدارية أكثر منها بحرية.
رواية الحرب: هل كانت النازية سببا في إغلاق المرسى؟
وتتداول بعض المصادر رواية إضافية تشير إلى أن إيقاف النشاط البحري في الرباط كان أيضا مرتبطا بالخوف من استغلال ألمانيا النازية لمصب أبي رقراق خلال الحرب العالمية الثانية للتقدم نحو النفوذ الفرنسي. ورغم عدم توثيق هذه الرواية بشكل قاطع. فإنها تعبر عن توتر استعماري كان حاضرا في المنطقة خلال ثلاثينيات القرن العشرين. بين فرنسا الحامية وألمانيا الصاعدة آنذاك.
تاريخ بحري ينتظر من يعيد كتابته
وتظل آثار الميناء النهري للرباط واضحة للعيان اليوم رغم اندثار دوره، وتبقى أسماء الأزقة والرياس وعائلات الموريسكيين شاهدا على فترة غنية من تاريخ العاصمة، حين كان البحر قلبها النابض. ويبقى السؤال مفتوحا: هل تنجح الرباط يوما في إعادة إحياء ذاكرتها البحرية، أم سيظل المرسى جزءاً من تاريخ منسي؟