آخر الأخبار
تسوية المهاجرين في إسبانيا… ضربة جديدة تُربك حسابات جبهة البوليساريو بين العفوية وتجاوز البروتوكول.. ماكرون يربك ميلوني في قمة دولية إصلاح قانوني مرتقب يهم ساعات عمل شركات الحراسة الخاصة الوجه الخفي لمجزرة هزّت تركيا.. تحقيقات تكشف خيوط جريمتي المدرستين المغرب يشدد الرقابة على استيراد الأدوية عبر شروط جديدة للتأشيرة الصحية الداخلية تتحرك لضبط فوضى الطاكسيات.. رقمنة ومراقبة وإنهاء الاستغلال غير المباشر واشنطن تفاوض تحت التهديد.. إغلاق هرمز وتصعيد لبنان يدفعان المنطقة نحو مواجهة شاملة الحمامات ترفع التسعيرة.. ومغاربة: “السبب دائماً هرمز!” ترامب يرجّح نهاية قريبة لحرب إيران ويكشف معطيات جديدة عن المفاوضات المرتقبة الساعة الإضافية تربك نوم المغاربة وتفاقم التعب اليومي(دراسة) الملك محمد السادس يوشح محمد يسف ويعين اليزيد الراضي أمينا عاما للمجلس العلمي الأعلى الحكومة الإسبانية تقر تسوية واسعة للمهاجرين.. وسانشيز يتحدث عن “فعل عدالة”
الرئيسية / سياسة / مناجم الشرق تحت المجهر… تحقيق في رهانات الثروة والبيئة والتنمية بين وعود الدولة وانتظارات السكان

مناجم الشرق تحت المجهر… تحقيق في رهانات الثروة والبيئة والتنمية بين وعود الدولة وانتظارات السكان

سياسة بقلم: الحدث بريس 18/02/2026 11:21
سياسة
مناجم الشرق تحت المجهر… تحقيق في رهانات الثروة والبيئة والتنمية بين وعود الدولة وانتظارات السكان

حين أعلنت وزارة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة طرح 361 جزءا من المجال المنجمي في الشرق في منطقتي تافيلالت وفكيك للمنافسة أمام المستثمرين. لم يكن الأمر مجرد بلاغ إداري عابر. بل خطوة تحمل في طياتها تحولا عميقا في خريطة الاستثمار الوطني. فالمغرب، الذي راكم تجربة طويلة في استغلال الفوسفاط وبعض المعادن الاستراتيجية، يدخل اليوم مرحلة جديدة عنوانها: مناجم الشرق.

منطقة لطالما وصفت بأنها “صامتة جيولوجيا”، تتحول فجأة إلى محور اهتمام رسمي ودولي. غير أن خلف الأرقام الكبيرة والطموح المعلن، تبرز أسئلة مشروعة. ماذا تعرف الدولة فعليا عن باطن هذه الأراضي؟ ومن سيستفيد؟ وكيف ستدار العلاقة المعقدة بين رأس المال، والبيئة، والمجتمع المحلي؟

هذا التحقيق يرصد خلفيات القرار، ويقارب أبعاده الاقتصادية والجيواستراتيجية، ويضع شروطه البيئية والتنموية تحت المجهر، مع قراءة في رهانات الشفافية والعدالة المجالية.

13 ألف كيلومتر مربع… مشروع بحجم استراتيجية وطنية

تغطي الأجزاء المنجمية المطروحة مساحة تناهز 13 ألف كيلومتر مربع. أي ما يقارب 22% من كامل المنطقة المنجمية المعنية. وهذا الرقم وحده يكشف أن الأمر يتجاوز تراخيص تقنية محدودة، ليصبح برنامجا استراتيجيا واسع النطاق.

وتشير المعطيات الرسمية إلى أن هذه المساحات لم تفتح بشكل اعتباطي. بل بعد دراسات جيولوجية واستكشافات أولية أعادت تقييم الإمكانات المعدنية في ضوء التحولات العالمية. فالعالم اليوم يعيش سباقا محموما نحو المعادن الاستراتيجية التي تشكل العمود الفقري للانتقال الطاقي، مثل الليثيوم والنحاس والكوبالت والعناصر النادرة.

ويسعى المغرب، في هذا السياق، إلى الالتحاق بسلسلة القيمة العالمية. لا باعتباره مصدرا للمواد الخام فحسب. بل كفاعل في الصناعات المرتبطة بالطاقات المتجددة وصناعة البطاريات والسيارات الكهربائية.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل المعطيات الجيولوجية الحالية كافية لتبرير هذا الحجم من الطموح. أم أن الدولة تراهن على منطق “الاستكشاف بالمنافسة” لاستجلاب رأسمال مستعد للمجازفة؟

لماذا الشرق… ولماذا الآن؟

لفهم هذا التوجه، لا بد من قراءة المشهد الدولي. فالتوترات الجيوسياسية، وتداعيات الحرب في أوكرانيا، والصراع الصامت بين الصين والولايات المتحدة وأوروبا حول سلاسل التوريد. دفعت الدول الصناعية إلى البحث عن مصادر بديلة وآمنة للمعادن.

والمغرب، بحكم موقعه الاستراتيجي واستقراره السياسي، يقدم نفسه كشريك موثوق للاتحاد الأوروبي. خصوصا في إطار إعادة تشكيل سلاسل الإمداد بعيدا عن مناطق النفوذ الآسيوي.

والجهة الشرقية، الممتدة بمحاذاة الحدود مع الجزائر، تعد من أكثر جهات المملكة هشاشة على المستوى الاجتماعي والاقتصادي. غير أن هشاشتها لا تعني ضعف أهميتها الاستراتيجية. بل على العكس، يمكن لهذه المشاريع أن تحولها إلى قطب اقتصادي جديد يعيد التوازن داخل الخريطة الوطنية.

ويبقى التوقيت لافتا؛ فالمغرب الذي استثمر بقوة في الطاقات المتجددة عبر مركبات عملاقة في الجنوب. يتجه الآن نحو ربط الاستقلال الطاقي باستقلال معدني يضمن المواد الأولية اللازمة لهذه الطفرة.

البيئة في قلب المعادلة… شروط صارمة أم اختبار صعب؟

وتؤكد الوثائق الرسمية أن الاستثمار المنجمي الجديد مرتبط بشروط بيئية مشددة. من بينها اعتماد الطاقات المتجددة في تشغيل الوحدات. والحد من المخلفات المعدنية، واحترام المجال الطبيعي والمائي. وإلزامية إعادة تأهيل المواقع بعد انتهاء الاستغلال.

هذه الشروط لا تأتي فقط من باب الحفاظ على البيئة داخليا. بل أصبحت مطلبا دوليا تفرضه سلاسل الإمداد الأوروبية التي تتبنى مفهوم “المعادن النظيفة”. فالمستثمر، اليوم، لا يقاس فقط بحجم استثماره، بل بقدرته على احترام المعايير البيئية والاجتماعية (ESG).

غير أن الخبرة الدولية تؤكد أن التحدي الحقيقي لا يكمن في صياغة الشروط، بل في مراقبة تنفيذها. وهنا يبرز سؤال مركزي: هل تمتلك المؤسسات المغربية الإمكانيات التقنية والموارد البشرية الكافية لمراقبة مشاريع بهذا الحجم. خصوصا في مناطق صحراوية شاسعة؟

كما أن الموارد المائية في الشرق، التي تعاني أصلا من الإجهاد المناخي، قد تواجه ضغطا إضافيا في حال تطلبت عمليات التعدين كميات كبيرة من المياه. ما يجعل التوازن البيئي معادلة دقيقة لا تحتمل التراخي.

سكان الشرق… فرصة تنموية أم تكرار لتجارب سابقة؟

الاستثمار المنجمي تاريخيا يحمل وجهين؛ فهو قد يكون رافعة للتنمية المحلية. لكنه قد يتحول أيضا إلى نموذج لا تستفيد منه المجتمعات المحيطة إلا بقدر محدود.

المعطيات الحكومية تشير إلى رغبة في تحويل المشروع إلى رافعة اجتماعية عبر إحداث فرص شغل محلية مباشرة وغير مباشرة. وتعزيز التكوين المهني في المهن المنجمية، وتشجيع المشاريع الصغيرة المرتبطة بسلاسل الإمداد. وإشراك الجماعات الترابية في تتبع المشاريع.

غير أن تجارب سابقة في مناطق منجمية أخرى أظهرت أن القيمة المضافة غالبا ما تصدر خارج الإقليم. سواء عبر تحويل الأرباح إلى الشركات الأم، أو عبر استيراد الخبرات التقنية من خارج المنطقة.

ويبقى الرهان الحقيقي في مدى قدرة الدولة على فرض نسب تشغيل محلية واضحة. وإنشاء مراكز تكوين متخصصة في الشرق. وربط الاستثمار الصناعي بسلاسل تحويل محلية، بدل الاكتفاء بالاستخراج والتصدير.

بين الثروة والسيادة… أبعاد جيواستراتيجية حساسة

ولا يمكن فصل هذا المشروع عن موقع الجهة الشرقية الجغرافي. فهي تمتد بمحاذاة حدود مغلقة مع الجزائر، وتتوفر على امتداد صحراوي واسع. أي تحول اقتصادي كبير في هذه المنطقة ستكون له أبعاد تتجاوز الاقتصاد إلى الجيوسياسة.

فإذا نجح المشروع، فقد يتحول الشرق إلى قطب صناعي جاذب للاستثمارات الأجنبية. ما يعزز موقع المغرب في شمال إفريقيا، ويرسخ دوره في معركة المعادن العالمية.

كما أن تنويع الشركاء الدوليين في القطاع المنجمي قد يعزز تموقع المملكة في التوازنات الدولية. غير أن ذلك يفرض أيضا إدارة دقيقة للعلاقات مع المستثمرين، وتجنب الارتهان لمحور واحد.

معركة الشفافية… أين تنتهي الوعود وتبدأ الأرقام؟

أحد أبرز التحديات يتمثل في الشفافية. فالمواطن، خصوصا في المناطق المعنية، يحتاج إلى معطيات واضحة حول طبيعة الشركات المستثمرة. وحجم الاستثمارات الفعلية. والعائدات الضريبية. ونسب التشغيل المحلية. وخطط إعادة تأهيل البيئة.

غياب هذه المعطيات قد يغذي الشكوك ويضعف الثقة. في حين أن نشرها يعزز الرقابة المجتمعية ويحصن المشاريع من الجدل المبكر.

كما أن تطوير صناعة تحويلية محلية سيبقى معيارا حاسما. فالمغرب الذي عانى لعقود من تصدير مواد خام دون تصنيع. يواجه اليوم فرصة تاريخية لتغيير المعادلة، إذا ما تم ربط التعدين بصناعات تحويلية متقدمة.

الرهان الحقيقي… تحويل الجيولوجيا إلى عدالة مجالية

ونجاح هذه المرحلة الجديدة لا يقاس بعدد الرخص الممنوحة ولا بحجم المساحات المفتوحة. بل بقدرتها على خلق نسيج اقتصادي دائم وتحسين البنية التحتية وتقوية التكوين المهني وإرساء دينامية محلية متكاملة. فضلا عن ضمان عدالة توزيع العوائد.

فالاستثمار المنجمي، مهما بلغ حجمه، لن يحقق معناه التنموي إذا ظل محصورا في أرقام الإنتاج وكميات التصدير. بل يتعين أن ينعكس أثره في تفاصيل الحياة اليومية للسكان عبر فرص شغل مستقرة. ومقاولات محلية قادرة على الاندماج في سلاسل القيمة. وبنيات أساسية تخرج المنطقة من هامشيتها التاريخية.

كما أن الرهان لا يتعلق فقط باستخراج المعادن وتسويقها. وإنما بتحويل الثروة الجيولوجية إلى عدالة مجالية حقيقية. بحيث تصبح الموارد الطبيعية رافعة لإعادة التوازن بين جهات المملكة، لا سببا في تعميق الفوارق بينها.

فالشرق، الذي عانى لعقود من محدودية الاستثمارات الكبرى، أمام فرصة لإعادة صياغة موقعه داخل الخريطة الاقتصادية الوطنية. شريطة أن تربط المشاريع الجديدة برؤية بعيدة المدى تدمج التكوين والبحث العلمي والبنية اللوجستية والصناعة التحويلية.

مواكبة المقاولات الصغرى والمتوسطة

وخلق نسيج اقتصادي دائم يقتضي مواكبة المقاولات الصغرى والمتوسطة وتشجيع المبادرات المحلية المرتبطة بالخدمات اللوجستية والصناعات المساندة. حتى لا تتحول المشاريع المنجمية إلى جزر إنتاجية معزولة عن محيطها.

كما أن تحسين البنية التحتية يجب أن يشمل الطرق والماء والكهرباء والاتصالات والخدمات الاجتماعية. حتى يشعر السكان بأن الاستثمار ليس مجرد نشاط استخراج تحت الأرض. بل مسار تنموي متكامل يعزز جودة الحياة.

وتظل تقوية التكوين المهني، حاسما في نجاح التجربة. إذ لا يمكن الحديث عن إدماج حقيقي للشباب دون توفير برامج تخصصية في المهن المنجمية والصناعات المرتبطة بها. بما يسمح بتأهيل الكفاءات المحلية بدل استيرادها من خارج الجهة. أما خلق دينامية محلية متكاملة، فيفترض إشراك الجماعات الترابية والمجتمع المدني في تتبع المشاريع وتقييم آثارها. بما يعزز الثقة ويكرس مبادئ الحكامة الجيدة.

ويبقى ضمان عدالة توزيع العوائد شرطا أساسيا لترسيخ الاستقرار الاجتماعي حول المشاريع. إذ ينبغي أن تنعكس الإيرادات الضريبية والاستثمارات المصاحبة على الخدمات العمومية والبنيات الاجتماعية داخل الأقاليم المعنية. حتى لا تتكرر تجارب سابقة استفاد منها المركز أكثر مما استفادت منها المناطق المنتجة.

المغرب أمام اختبار حاسم

إن فتح 361 جزءا من المجال المنجمي في تافيلالت وفكيك يعلن رسميا دخول المغرب مرحلة جديدة في إدارة ثرواته الباطنية. غير أن حجم المشروع يجعله أيضا اختبارا مؤسساتيا واجتماعيا وبيئيا.

فإما أن يتحول الشرق إلى قطب معدني جديد يكرس تنمية متوازنة ومستدامة. وإما أن يعاد إنتاج نماذج استخراجية تقليدية تصدر الخام وتترك أسئلة البيئة والعدالة معلقة.

والمعركة الحقيقية ليست تحت الأرض فحسب، بل فوقها أيضا، في الشفافية، والمراقبة، وعدالة التوزيع. والرهان الأكبر أن تتحول الثروة الجيولوجية إلى رافعة تنموية تعيد رسم صورة الشرق… لا فقط في خرائط الاستثمار، بل في واقع سكانه أيضا.

مشاركة المقال: in 𝕏 f
المقال التالي هشاشة سوق الشغل وضعف الحماية الاجتماعية يتصدران المخاطر التي تهدد المغرب 2026 المقال السابق رسالة كاثرين الثانية إلى السلطان محمد بن عبد الله… وثيقة تعيد رسم موقع المغرب في معادلات القوة العالمية
التعليقات
أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :‫‫عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

مقالات ذات صلة