يشهد المغرب خلال الأسابيع الأخيرة تحولا مفاجئا في سوق زيت الزيتون، حيث سجلت الأسعار انخفاضا كبيرا طال مختلف الجهات المنتجة، بعد موسم عرف مستويات غير مسبوقة من الغلاء. هذا التراجع السريع طرح أسئلة كثيرة حول أسبابه الحقيقية، وحول ما إذا كان يعكس بداية دورة اقتصادية جديدة داخل أحد أهم القطاعات الزراعية في البلاد. أم أنه مجرد انفراج مؤقت سرعان ما قد ينعكس ارتفاعا من جديد.
ارتفاع الإنتاج… عودة التوازن بعد سنة من الصدمة
وعرف الموسم الفلاحي الحالي تحسنا واضحا في إنتاج الزيتون مقارنة بالسنة الماضية التي كانت كارثية بسبب موجة الجفاف القاسية. ومع تحسن التساقطات وامتدادها على فترات مناسبة، استعادت العديد من البساتين قدرتها الإنتاجية، خصوصا في: جهة سوس – ماسة، جهة فاس – مكناس، جهة طنجة – تطوان – الحسيمة ،جهة مراكش – آسفي
وساهم هذا الارتفاع في الإنتاج في إغراق السوق بكميات وفيرة من الزيتون، مما أدى إلى انخفاض أسعار العصر. وبالتالي انخفاض ثمن زيت الزيتون النهائي بنسبة تتراوح بين 20% و40% في بعض المناطق.
ضغط السوق الداخلية… المستهلك يدفع نحو التراجع
ويصعب فهم هذا الانخفاض بشكل دقيق دون الإشارة أولا إلى التحول الواضح في سلوك المستهلك المغربي. فبعد مرور سنة كاملة من الأسعار القياسية التي تجاوزت في بعض المناطق 140 درهما للتر ليبدأ المستهلكون تدريجيا في اتخاذ مجموعة من القرارات التي أثرت بوضوح على السوق، حيث انطلق ذلك بـ: تخفيض كمية الاستهلاك بشكل ملحوظ، ثم الانتقال إلى البحث عن بدائل أرخص لتقليل النفقات، وبعد ذلك، التوجه نحو التجار الصغار بدل العلامات المعبأة ذات التكلفة المرتفعة، والاكتفاء بشراء الزيت بكميات محدودة بدل التخزين الموسمي المعتاد.
وتزايد الضغط على السوق الداخلية بشكل جعل الطلب ينخفض تدريجيا، وهو ما دفع في النهاية العديد من المنتجين إلى خفض الأسعار بشكل واضح من أجل ضمان تصريف المنتوج وعدم تراكم المخزون.
زيت الزيتون..تراجع المضاربة
ولعب الوسطاء والمضاربون دورا أساسيا في رفع الأسعار إلى مستويات غير منطقية. لكن هذه السنة، وبسبب: تدخل السلطات، ثم تشديد المراقبة، كشف عمليات تخزين غير قانونية، هبوط الطلب الحقيقي، اضطر بسببه المضاربون إلى التخلص من مخزونهم بسرعة. وهذا ما أسهم في سقوط سعر الزيت بشكل متسارع خلال فترة قصيرة. توسع قنوات البيع المباشر… وبالتالي نهاية “سوق الاحتكار المحلي”.
واتجه عدد كبير من التعاونيات الفلاحية والمنتجين الصغار إلى بيع الزيت مباشرة للمستهلك، سواء عبر: البيع من المعاصر، البيع الفلاحي المباشر، المنصات المحلية، الأسواق الأسبوعية. فهذا التوسع في قنوات التسويق أدى إلى تقليص هوامش الربح المرتفعة التي كان يفرضها الوسطاء وأرباب المعاصر الكبيرة، مما ساهم بدوره في خفض الأسعار.
زيت الزيتون..عامل الجودة
وظهرت كميات كبيرة من الزيت عالي الجودة في السوق، مع بداية عصر الزيتون الجديد، خصوصا من المنتجين الذين حافظوا على تقنيات العصر البارد. ومع تزايد العرض، أصبح المنتجون مضطرين لتخفيض الأسعار لجذب المشترين، توفير زيت عصرة أولى بأسعار تنافسية، هذه المنافسة خلقت دينامية جديدة في السوق. لينعكس أثرها على المستهلك إيجابا.
الأسعار الحالية… بين ارتياح المستهلك وقلق الفلاح
ويشعر المستهلكون بارتياح كبير، بعد سنة كاملة من الغلاء الخانق. لكن في المقابل، يعيش الفلاحون وضعا معقدا: ارتفاع تكلفة السقي والأسمدة، تداعيات سنوات الجفاف، ضعف مردودية الحقول الصغيرة، انخفاض سعر الزيت إلى مستويات تهدد دخلهم. وبالتالي، فإن الانخفاض الحالي، رغم فوائده الاجتماعية. ويطرح إشكالات اقتصادية للفلاحين الذين يشكلون أساس القطاع.
زيت الزيتون والانخفاض مستدام؟ قراءة في المستقبل القريب
ويرى عدد من المتخصصين أنه مع استمرار انتعاش الإنتاج وتواصل جهود السلطات لضبط السوق. فمن المرجح أن تتجه الأسعار نحو انخفاض تدريجي. وبالتالي، يمكن أن تستقر في مستويات منخفضة نسبيا مقارنة بالفترات السابقة. على الجانب الآخر، يحذر بعض الخبراء من إمكانية حدوث ارتفاع جديد في الأسعار خلال الأشهر المقبلة، خاصة إذا ارتفع الطلب الموسمي أو ظهرت موجات جفاف جديدة. وفي هذا السياق، قد يتحول السوق بسرعة نحو اتجاه صعودي. وفي المقابل، يبقى السيناريو الأكثر ترجيحا هو الوصول إلى حالة استقرار متوسط، بحيث تكون الأسعار متوازنة نسبيا: لا مرتفعة كما حدث في ذروة الجفاف، ولا منخفضة بشكل كبير كما هو الحال حاليا. مما يدخل السوق مرحلة توازن نسبي.
القطاع في مفترق طرق… هل نحتاج إلى إصلاح جذري؟
وتكشف الأزمة الأخيرة بوضوح الحاجة الملحة لإعادة هيكلة القطاع. فمن جهة، يبدو أن تنظيم سوق الوسطاء أصبح ضرورة عاجلة. ومن جهة أخرى. مما يتطلب تحسين سلاسل التخزين والتسويق لضمان شفافية أكبر.
ويبرز دعم الفلاحين الصغار كعنصر أساسي لضمان استدامة الإنتاج، بينما يعد تشجيع الاستثمار في السقي بالتنقيط خطوة حاسمة لمواجهة تحديات الجفاف. ويفرض تطوير التعاونيات دورا مهما في تقوية المفاوضة الجماعية. كما أن وضع سقف لهوامش الربح خلال الأزمات قد يسهم في حماية المستهلك من أي انفلات سعري.






