في لحظات التحول الكبرى، لا تقاس السياسة بما يقال في خطابات الوداع، بل بما تكشفه التوقيتات، وبما تفضحه الحصيلة على الأرض. انسحاب عزيز أخنوش من رئاسة حزب التجمع الوطني للأحرار، في هذا المنعطف الدقيق من عمر التجربة الحكومية، لا يمكن قراءته باعتباره مجرد تداول “عادي” على القيادة، بقدر ما هو إعلان غير مباشر عن نهاية مرحلة كاملة من التدبير السياسي، وعن مأزق عميق وصل إليه النموذج الذي روج له منذ 2016 بوصفه “وصفة ناجعة” لقيادة المغرب نحو الدولة الاجتماعية.
من الواجهة التنظيمية إلى عمق الأزمة السياسية
قدم أخنوش خروجه من رئاسة الحزب باعتباره انتصارا لمنطق المؤسسات ولقاعدة “الولايتين”. لكن هذه السردية سرعان ما تتهاوى أمام سؤال بسيط: لماذا الآن؟ ولماذا على أبواب انتخابات مفصلية، وفي لحظة بلغ فيها الغضب الاجتماعي ذروته؟ الواقع أن الانسحاب جاء في توقيت يحسن فيه الحساب السياسي أكثر مما يحتفى فيه بالأخلاق التنظيمية. فالرجل الذي التصق اسمه بالغلاء، وبالعجز عن حماية القدرة الشرائية، وبالخلط الملتبس بين المال والسلطة، بات يدرك أن استمرار حضوره على رأس الحزب صار عبئا انتخابيا لا طاقة للأحرار باحتماله.
الانسحاب هنا ليس شجاعة سياسية، بل محاولة لخفض الكلفة. هو بحث عن “مخرج آمن” قبل أن يتحول اسم أخنوش إلى عنوان جامع لكل اختلالات الولاية الحكومية. وقبل أن تصبح معركة 2026 استفتاء مباشرا عليه شخصيا لا على حزبه فقط. إنها خطوة دفاعية أكثر منها هجومية، تقدم فيها “استقالة محسوبة” بديلا عن هزيمة انتخابية محتملة كان من شأنها أن تلطخ المشروع برمته.
حكومة الأرقام… ومواطن “القفة”
حين وصل أخنوش إلى رئاسة الحكومة، رفعت شعارات كبرى: الدولة الاجتماعية، والحماية، والكرامة، والاستثمار في الإنسان. غير أن المسافة بين الشعار والتجربة كانت صادمة. فالمواطن المغربي لم يعش “دولة اجتماعية”، بل عايش دولة تبريرية تحيل كل فشل إلى “السياق الدولي”، وكل أزمة إلى “الظرفية العالمية”. صحيح أن العالم عرف اضطرابات غير مسبوقة، لكن دور السياسة هو امتصاص الصدمات لا الاكتفاء بوصفها.
في عهد أخنوش، انتصرت لغة الأرقام على لغة المعاناة. قيل للمغاربة إن النمو تحسن، وإن التضخم تراجع، لكن لم يقنع أحد ربة البيت التي عجزت عن ملء “القفة”، ولا الموظف الذي تآكل راتبه، ولا الفلاح الصغير الذي رأى المخططات الكبرى تمر فوق رأسه دون أن تلامس واقعه. هنا بالضبط سقط الوعد السياسي: حين انفصل الخطاب الحكومي عن الحياة اليومية للناس.
لم يكن الإشكال فقط في ارتفاع الأسعار، بل في الإحساس العام بأن الحكومة تفتقر إلى التعاطف الرمزي مع المواطن. فالسياسة ليست أرقاما جامدة فحسب، بل خطابا يواسي ويشرح ويشرك. غير أن حكومة أخنوش بدت وكأنها تخاطب لوحات “PowerPoint” لا واقعا اجتماعيا متصدعا.
سياسات الدعم… من الحماية إلى الانتقائية
روجت الحكومة لمنظومة الدعم الاجتماعي المباشر باعتبارها تحولا نوعيا في إدارة الفقر والهشاشة. لكن التطبيق كشف عن اختلالات بنيوية. فالدعم الذي يفترض أن يكون أداة للإنصاف تحول، في نظر كثيرين، إلى شبكة معقدة من الشروط والإجراءات التي أقصت فئات واسعة، أو جعلت الاستفادة منها غير متناسبة مع حجم الغلاء.
زاد من حدة النقد غياب نقاش عمومي صريح حول فلسفة هذه السياسات: هل هي دعم ظرفي لتجاوز أزمة، أم بديل طويل المدى عن سياسة الأجور وتحسين الخدمات العمومية؟ هذا الغموض جعل الدعم يبدو وكأنه “إسعاف اجتماعي” لا مشروعا بنيويا، يستعمل لتسكين الاحتقان دون معالجة جذوره.
تغول عددي وفراغ سياسي
لم تكن إشكالية حكومة أخنوش اقتصادية فقط، بل ديمقراطية أيضا. فالأغلبية التي تشكلت بعد انتخابات 2021 تعاملت مع البرلمان كغرفة تصويت، لا كفضاء نقاش ومحاسبة. استخدم التفوق العددي لإسكات المعارضة بدل مجابهتها بالحجج، ما عمق الإحساس بأن السياسة فقدت معناها التداولي، وتحولت إلى مجرد إدارة فوقية للقرار.
هذا “التغول الهادئ” أفرغ المؤسسات من روحها، وأسهم في تعميق فجوة الثقة بين المواطن والعملية السياسية برمتها. وهو ما يفسر اليوم تنامي العزوف، لا كخيار فردي فقط، بل كموقف جماعي من ممارسة سياسية بدت عاجزة عن الإصغاء.
الأخطر أن هذا الأسلوب في التدبير عمق الإحساس باللامساواة السياسية: فحين يشعر المواطن أن صوته لا يغير شيئا داخل المؤسسات، فإنه يبحث عن قنوات أخرى للتعبير، غالبا خارج النسق الحزبي، في الشارع أو في الفضاء الرقمي، بما يحمله ذلك من مخاطر على الاستقرار الاجتماعي.
تدبير الأزمات… الغياب في لحظة الامتحان
كشفت الأزمات المناخية والفيضانات الأخيرة عن عطب في منطق التدبير الاستعجالي. لم يكن الفشل تقنيا بقدر ما كان تواصليا وسياسيا. إذ ظهرت الحكومة متأخرة في الميدان، مرتبكة في الخطاب، وكأنها تدار من غرف مغلقة بعيدا عن نبض المناطق المتضررة.
في لحظات الكوارث، يختبر معنى الدولة. والمغاربة، في أكثر من مناسبة، لم يشعروا بوجود حكومة تقود وتشرح وتتحمل المسؤولية السياسية كاملة، بل بوزراء يتبادلون الأدوار الإعلامية دون رؤية موحدة. هذا الفراغ الرمزي غذى الإحساس بعدم الأمان، وبأن الدولة الاجتماعية ما تزال وعدا مؤجلا.
التعليم والصحة… الاستثمار بلا أثر محسوس
رصدت ميزانيات ضخمة لقطاعي التعليم والصحة، لكن النتائج بقيت دون التطلعات. الإضرابات المتكررة، وضعف جودة الخدمات، واستمرار الفوارق المجالية، كلها مؤشرات على أن ضخ الأموال لا يكفي وحده. المشكلة تكمن في غياب الإصلاح العميق الذي يربط الاستثمار بالمحاسبة والنجاعة.
في ظل حكومة أخنوش، بدت هذه القطاعات وكأنها تدار بعقلية “الأوراش” لا بعقلية “الحق”، إذ ظل المواطن ينتظر تحسنا ملموسا في المدرسة العمومية والمستشفى العمومي، دون أن يلمس ذلك بالقدر المعلن عنه رسميا.
محمد شوكي… التكنوقراط أمام اختبار السياسة
بصعود محمد شوكي إلى رئاسة الحزب، يراهن التجمع الوطني للأحرار على “التكنو-سياسة”: مدير هادئ، وبروفايل مالي، وخطاب عقلاني أقل استفزازا من سلفه. لكن الإشكال أن الأزمات السياسية لا تدار فقط بالكفاءة التقنية. شوكي يرث حزبا مثقلا بإرث اجتماعي ثقيل، وحكومة تواجه استياء واسعا، وأفقا انتخابيا محفوفا بالمخاطر.
الخطر الحقيقي هو أن ينظر إليه كامتداد ناعم لأخنوش، لا كقطيعة معه. فإذا لم يقنع الشارع بأن الحزب يراجع خياراته لا وجوهه فقط، فإن “تغيير القيادة” سيقرأ كعملية تجميل لا أكثر. وهنا سيكون التحدي الأساسي أمام شوكي: هل يملك الجرأة على مراجعة الخيارات الاجتماعية والاقتصادية التي أضعفت الحزب، أم سيكتفي بإدارة الأزمة إلى حين؟
الأغلبية والمعارضة… أزمة نظام لا أزمة أشخاص
ما يعيشه الأحرار اليوم لا ينفصل عن مأزق الأغلبية ككل. شريكاه، الأصالة والمعاصرة والاستقلال، يبدوان بلا مشروع مميز داخل الحكومة، وكأنهما ذابا في الخيار الليبرالي للأحرار. في المقابل، تعاني المعارضة من تفكك مزمن: إسلاميون يحاولون العودة أخلاقيا، ويسار يبحث عن ذاته، وقوى تقدمية بلا قاعدة جماهيرية كافية.
النتيجة أن المشهد السياسي برمته يعيش نوعا من “البلوكاج النفسي”: لا حكومة قادرة على الإقناع، ولا معارضة مؤهلة لفرض البديل. وهو وضع خطير لأنه يفرغ التنافس السياسي من محتواه، ويحول الانتخابات إلى مجرد إعادة توزيع للأدوار داخل نفس المنظومة.
الاقتصاد والسيادة… بين الوعود والاعتماد
أحد أعمدة نقد تجربة أخنوش يتمثل في فشلها النسبي في تحقيق السيادة الاقتصادية، خصوصا في المجال الفلاحي والغذائي. فبعد سنوات من المخططات، وجد المغرب نفسه تحت رحمة الاستيراد لتأمين حاجيات أساسية، ما أعاد طرح سؤال جدوى السياسات التي قدمت طويلا كنماذج نجاح.
هذا الاعتماد المتزايد على الخارج، بالتوازي مع أزمة مائية خانقة، كشف حدود الرؤية التي تعطي الأولوية للأرقام الكبرى على حساب التوازنات البيئية والاجتماعية. فالسياسة العمومية لا تقاس فقط بحجم الإنتاج، بل بمدى استدامته وعدالته.
ما بعد أخنوش… أي أفق؟
انسحاب أخنوش من رئاسة الحزب هو، في العمق، اعتراف متأخر بأن السياسة لا تدار بعقلية المقاولة وحدها. الدولة ليست شركة، والمواطن ليس زبونا، والشرعية لا تراكم بالإعلانات، بل بالعدالة الاجتماعية. المغرب اليوم أمام لحظة اختبار: إما أن يتحول هذا الخروج إلى بداية مراجعة حقيقية لمنطق تدبير السلطة، أو أن يبقى مجرد فصل أخير في مسرحية عنوانها “تغيير كل شيء… لكيلا يتغير شيء”.
نهاية “عصر أخنوش” ليست نهاية أزمة، بل ربما بدايتها الصريحة. فهي تفتح الباب أمام سؤال جوهري: هل تتعلم النخب السياسية من أخطائها، أم تستمر في إعادة إنتاج نفس الوصفات مع تغيير العناوين؟ المستقبل القريب، ومعه استحقاق 2026، سيحمل الجواب. لكن المؤكد أن المغرب لم يعد يتحمل سياسة تدار من فوق، ولا وعودا لا تجد طريقها إلى حياة الناس. الرهان اليوم ليس فقط على من يقود الأحزاب، بل على أي تصور للعدالة والكرامة والتنمية سيقود البلاد في العقد المقبل.






