كشفت البيانات الرسمية الصادرة عن ألمانيا ارتفاعا حادا في عدد عمليات الترحيل خلال سنة 2025، بعدما بلغ العدد الإجمالي 22,787 حالة. ويشكل هذا الرقم أعلى مستوى خلال السنوات الأخيرة، مقارنة بـ 13 ألف حالة في 2022، و 16,430 في 2023، وما يفوق 20 ألف حالة في 2024.
ويظهر هذا التصاعد أن برلين تتجه نحو سياسة هجرة أكثر تشددا، مدفوعة بضغط الرأي العام، وتنامي حضور موضوع الهجرة غير النظامية في النقاش السياسي الداخلي، خاصة مع صعود أحزاب معارضة لا تتردد في استغلال الملف انتخابيا.
ترحيل متزايد نحو دول المغرب العربي
ويكشف توجيه 1914 حالة ترحيل نحو دول المغرب العربي—من أصل ما يقرب من 23 ألف عملية—عن ثلاثة توجهات متوازية تعيد رسم سياسة الهجرة في ألمانيا. فالمعطيات تظهر ترحيل 785 شخصا إلى المغرب، و631 إلى الجزائر، و498 إلى تونس. وبالانتقال إلى دلالات هذه الأرقام، يتبين أن برلين تعمل، أولا، على تعزيز التعاون الأمني والقنصلي مع الدول المغاربية؛ وثانيا، على تقليص أعداد المهاجرين غير النظاميين داخل أراضيها؛ وثالثا، على إظهار قدر أكبر من الصرامة مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية.
تحول في السياسة الألمانية… أم استجابة لضغط داخلي؟
ويأتي تزايد عمليات الترحيل في سياق أوروبي عام يتجه نحو تشديد إجراءات الهجرة، لكن ألمانيا تحديدا كانت تاريخيا أكثر انفتاحا. لذلك يثير هذا التغير أسئلة مهمة: هل تسعى الحكومة إلى امتصاص ضغط اليمين المتطرف؟ أم أنها تستجيب لاعتبارات أمنية واقتصادية مرتبطة بكلفة استقبال المهاجرين؟ أم أن تزايد الوافدين غير النظاميين فرض على برلين إعادة ضبط سياساتها؟ والواقع يشير إلى أن الاعتبارات السياسية الداخلية تلعب دورا أساسيا، خصوصا بعد صعود قوى معارضة تستثمر بقوة في ملف الهجرة.
انعكاسات على الدول المغاربية: عبء إضافي أم فرصة للتفاوض؟
ويضع استقبال المغرب والجزائر وتونس لمئات المرحلين سنويا هذه الدول أمام تحديات متعددة. إذ يفرض، أولا، عبئا اجتماعيا واقتصاديا في ظل هشاشة سوق الشغل. ويستلزم، ثانيا، جهودا معقدة لإعادة إدماج أشخاص غادروا بلدانهم منذ سنوات طويلة.
ويمنح هذا الوضع، في المقابل، ورقة تفاوضية إضافية في العلاقة مع الاتحاد الأوروبي، خاصة في ملفات التعاون الأمني والتنمية والهجرة المنظمة. وهكذا يمكن أن يتحول التعاطي مع هذه الأرقام إلى فرصة لتعزيز الشراكات. أو إلى تحد متزايد إذا استمرت وتيرة الترحيل في الارتفاع.
أرقام تتجاوز الطابع الإداري
وتكشف الزيادة الكبيرة في عمليات الترحيل أن ألمانيا تعيد صياغة سياستها تجاه الهجرة. حيث تتحول من نهج “الاحتواء والتدبير الإنساني” إلى مقاربة أمنية أكثر وضوحا. أما بالنسبة للدول المغاربية، فالأرقام المتزايدة تفرض ضرورة بلورة سياسات إدماج وتعاون جديدة، تستجيب للتحولات الأوروبية وتحديات الداخل. ولا تبدو هذه الأرقام مجرد بيانات تقنية. بل مؤشرا على تحولات جيوسياسية واجتماعية أعمق ستؤثر على الضفتين الأوروبية والمغاربية خلال السنوات المقبلة.






