دخل التوتر بين باكستان وسلطات طالبان الأفغانية مرحلة غير مسبوقة من التصعيد العسكري، بعدما أعلنت مساء أمس، إسلام أباد بشكل صريح أنها باتت في “حرب مفتوحة” مع كابول، في أعقاب تبادل ضربات جوية وبرية دامية على امتداد يومين. في تطور خطير ينذر بانفجار إقليمي يهدد استقرار واحدة من أكثر المناطق حساسية في آسيا.
ضربات جوية متبادلة.. الشرارة التي فجّرت الأزمة
وبدأ التصعيد حين نفذ الجيش الأفغاني، التابع لسلطات طالبان، هجوما على منشآت عسكرية حدودية داخل باكستان، ما أدى إلى مقتل عدد من الجنود الباكستانيين. وردت إسلام أباد فجر الجمعة بقصف مدن رئيسية في كابول وقندهار وباكتيا.
وأكدت طالبان وقوع الغارات دون تسجيل إصابات، بينما أفاد صحافيون محليون بسماع دوي انفجارات وتحليق مكثف للطائرات الحربية.
باكستان: “نفد صبرنا.. نحن في حرب مفتوحة”
وأعلن وزير الدفاع الباكستاني خواجة آصف من إسلام أباد، موقفا حازما وبنبرة غير مسبوقة: “لقد نفد صبرنا. الآن أصبحت حربا مفتوحة بيننا وبينكم.”
وأكد وزير الداخلية محسن نقوي أن الضربات كانت “ردا مناسبا” على الهجمات الأفغانية. كما صرح رئيس الوزراء شهباز شريف بأن القوات الباكستانية قادرة على “سحق أي معتد”، ما يعكس انتقال الخطاب الرسمي من الدفاع إلى التهديد المباشر.
طالبان ترد: “الهجوم كان واسع النطاق وأسفر عن عشرات القتلى”
وتبنت حكومة طالبان هجمات أمس الخميس، مؤكدة أنها جزء من “رد مضاد” على ضربات باكستان السابقة، خصوصا تلك التي استهدفت ولايات ننكرهار وباكتيا وأسفرت، وفق الأمم المتحدة، عن مقتل 13 مدنيا على الأقل. والناطق باسم طالبان ذبيح الله مجاهد أعلن: “قتلنا عشرات الجنود الباكستانيين، وهناك جرحى وأسرى.” ما يعني أن الحركة ترغب في إظهار نفسها كقوة قادرة على الردع، رافضة الانصياع لضغوط إسلام أباد.
نزاع قديم يتجدد: جذور الأزمة بين البلدين
ويذكر أن التوتر بين باكستان وأفغانستان ليس جديدا، لكنه تفاقم منذ سيطرة طالبان على الحكم في 2021. وتتهم إسلام أباد كابول بالتغاضي عن نشاط جماعات مسلحة داخل الأراضي الأفغانية، خصوصا “تحريك طالبان باكستان”، التي تقف خلف عمليات انتحارية دامية داخل باكستان. من جهتها، تنفي طالبان هذه الاتهامات، وتعتبر أن باكستان تحاول تحميلها مسؤولية مشاكلها الأمنية الداخلية.
سقوط الدبلوماسية.. وفشل وساطات قطر وتركيا والسعودية
ويتبين أنه على الرغم من محاولات عدة لاحتواء الأزمة عبر وساطات دولية: قطر وتركيا توسطتا سابقا لوقف إطلاق النار، والسعودية تدخلت لإطلاق سراح جنود باكستانيين أسرهم الجيش الأفغاني. إلا أن هذه الجهود لم تمنع انفجار الوضع من جديد، ما يكشف هشاشة القنوات الدبلوماسية بين الطرفين.
تداعيات خطيرة.. هل تنزلق المنطقة إلى حرب شاملة؟
وينبثق من التطور الأخير احتمالات مقلقة: اتساع رقعة المواجهة إلى مناطق حدودية أخرى، وتنشيط الجماعات المتطرفة التي تستغل الفراغ الأمني، واضطراب حركة اللاجئين والتجارة عبر حدود تعتمدها ملايين الأسر، وتدخل قوى إقليمية ذات مصالح متشابكة مثل الصين وإيران والهند. ويرى محللون أن استمرار هذا النمط من الضربات قد يقود إلى نزاع مفتوح يصعب احتواؤه، خصوصاً في ظل غياب حكومة مركزية قوية في أفغانستان.
أزمة تتدحرج بسرعة نحو المجهول
ويذكر أن ما يجري اليوم بين باكستان والسلطات الأفغانية ليس مجرد مناوشات حدودية، بل تحول جذري في طبيعة العلاقة بين البلدين، مع إعلان الحرب بشكل شبه رسمي، وفشل الدبلوماسية، وارتفاع وتيرة العمليات العسكرية. ويبقى السؤال المفتوح: هل يقف المجتمع الدولي متفرجا على حرب جديدة تشتعل في واحدة من أكثر البؤر حساسية في العالم؟















