الجزيرة .. من الانحياز الضمني إلى الحذر الاستراتيجي
اتسمت التغطية الإعلامية، في الأيام الأولى من المواجهة بين إيران وإسرائيل. بنبرة اعتبرها متابعون أقرب إلى تبني الرواية الإيرانية وحلفائها. وقد تقاطعت هذه المقاربة مع توتر العلاقة السياسية بين الدوحة وحكومة بنيامين نتنياهو، فضلاً عن سياقات سابقة مرتبطة بالحرب في غزة واستهداف مقرات إعلامية.
غير أن هذا التموضع لم يدم طويلا؛ إذ سرعان ما تغيرت المعادلة مع تصاعد التهديدات الإيرانية لدول الخليج. وعبور الصواريخ أجواء الدوحة، بما حمله ذلك من مخاطر مباشرة على الملاحة الجوية والبحرية. وتعليق مؤقت لعمليات إنتاج وتصدير الغاز المسال. وهنا، بدأت مؤشرات التحول تظهر تدريجياً على الشاشة.
الأمن القومي أولا… مراجعة اضطرارية للخطاب
ومع اتساع دائرة القلق من تداعيات اقتصادية وأمنية ثقيلة،.بدا أن صانع القرار القطري أعاد ترتيب أولوياته. فالتقارب التكتيكي أو المجاملة الإعلامية لمحور طهران لم يعد ـ في ظل التهديد المباشر ـ خيارا مريحا. لذلك، اتجه الخط التحريري نحو مقاربة أكثر تحفظا، تضع الأمن القومي والاعتبارات السيادية في صدارة الأولويات.
وفي هذا السياق، لوحظ تراجع حضور الأصوات المدافعة عن سياسات طهران. مقابل صعود محللين يحذرون من مخاطر المشروع الإقليمي الإيراني ومن تداعيات أدوار الميليشيات المسلحة في المنطقة. كما تغيرت المقاربة المتعلقة بـ حزب الله، إذ لم يعد يقدم بوصفه فاعلا دفاعيا فحسب، بل بات يطرح في سياق مسؤوليات أوسع عن توسيع رقعة الصراع.
الجزيرة بين خطاب الممانعة وتقاطعات الواقع
هذا التحول أثار تساؤلات حول مفهوم الحياد الإعلامي في أوقات الأزمات. فبينما كانت السردية السابقة تركز على “محور المقاومة” ومواجهة “العربدة الإسرائيلية”. ظهرت لاحقاً تقارير وتحليلات تقترب ـ في بعض زواياها ـ من التحذيرات الإسرائيلية التقليدية بشأن التمدد الإيراني.
وبذلك، وجد الإعلام القطري نفسه أمام معادلة دقيقة: كيف يوازن بين ثوابته التحريرية المعلنة وبين مقتضيات الواقع الأمني والاقتصادي؟ وكيف يحافظ على صورته المهنية في ظل تقاطعات السياسة والمال والأمن؟
تكشف هذه التطورات أن الإعلام، مهما بدا مستقلا في خطابه. يظل متأثرا بسياقه السياسي والاستراتيجي. فحين تتحول التهديدات إلى خطر مباشر يمسّ الدولة ومقدراتها، تتبدل الأولويات. وتعاد صياغة الرسائل بما يتماشى مع معادلات الردع ومصالح البقاء














