في لحظة إقليمية مشحونة بالتوتر والرسائل النارية المتبادلة. جاء بلاغ الديوان الملكي الصادر مساء السبت ليضع موقف المغرب في سياق واضح لا لبس فيه. تضامن ثابت مع أمن واستقرار دول الخليج العربي، واعتبار أي مساس بأمنها تهديدا مباشرا لاستقرار المنطقة برمتها.
البلاغ أفاد أن جلالة الملك محمد السادس أجرى، اليوم السبت، اتصالات هاتفية مع قادة عدد من الدول الخليجية. ويتعلق الأمر برئيس دولة الإمارات العربية المتحدة الشيخ محمد بن زايد آل نهيان. وملك مملكة البحرين الملك حمد بن عيسى آل خليفة. وولي العهد رئيس مجلس وزراء المملكة العربية السعودية الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود. وأمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني.
وخلال هذه الاتصالات، جدد جلالة الملك إدانة المملكة المغربية الشديدة للاعتداءات السافرة التي استهدفت سيادة وسلامة أراضي هذه الدول. مؤكدا مساندة المغرب الكاملة لكل الإجراءات التي تراها مناسبة للحفاظ على أمنها وطمأنة مواطنيها. كما شدد البلاغ على أن أمن واستقرار دول الخليج العربي يشكلان جزءا لا يتجزأ من أمن واستقرار المملكة المغربية. وأن أي مساس بسلامتها يعد اعتداء خطيرا وغير مقبول، وتهديدا مباشرا للاستقرار في المنطقة.
بلاغ سياسي في توقيت حساس
هذا الموقف المغربي لم يأت في فراغ، بل في سياق تصعيد عسكري وسياسي متسارع بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، والجمهورية الإسلامية الإيرانية من جهة ثانية. فاليوم، شهدت المنطقة تطورات متلاحقة وصفت بأنها الأخطر منذ شهور، حيث أعلنت واشنطن وتل أبيب تنفيذ ضربات استهدفت مواقع تقول إنها مرتبطة ببرامج عسكرية إيرانية وشبكات حليفة لطهران في الإقليم. بينما توعدت إيران برد “موجع ومباشر”، معتبرة ما جرى “عدوانا سافرا” وانتهاكا لسيادتها.
التطورات لم تبق محصورة في التصريحات، إذ رافقها استنفار عسكري ورفع مستوى التأهب في عدد من القواعد الأمريكية بالمنطقة. كما رافقتها تحركات بحرية في الخليج، إضافة إلى تحذيرات إسرائيلية من “مرحلة جديدة من المواجهة”. وفي المقابل، لوحت طهران بإمكانية توسيع دائرة الرد عبر أدواتها الإقليمية، وهو ما أثار مخاوف واسعة من انزلاق نحو مواجهة مفتوحة قد تتجاوز حدود الاشتباك التقليدي.
الخليج في قلب العاصفة
التصعيد بين واشنطن وتل أبيب من جهة وطهران من جهة أخرى يضع دول الخليج في قلب المعادلة الأمنية، بحكم الجغرافيا والتحالفات العسكرية والاقتصادية. فأي مواجهة مباشرة أو غير مباشرة مع إيران غالبا ما تلقي بظلالها على أمن الخليج، سواء عبر تهديد الملاحة في مضيق هرمز، أو عبر هجمات سيبرانية، أو باستهداف منشآت حيوية.
من هنا يمكن قراءة الموقف المغربي باعتباره استباقيا، يعلن بوضوح أن الرباط تعتبر استقرار الخليج خطا استراتيجيا متقدما لأمنها الوطني. فالعلاقات المغربية الخليجية ليست فقط علاقات سياسية عابرة، بل هي شراكات عميقة تمتد إلى التعاون الاقتصادي والاستثماري والأمني، وإلى تنسيق مستمر في عدد من القضايا الإقليمية.
رسالة مغربية متعددة الأبعاد
البلاغ الملكي حمل في طياته أكثر من رسالة. أولا، تثبيت مبدأ التضامن العربي العملي، بعيدا عن الشعارات. ثانيا، التعبير عن موقف سيادي يعتبر أن وحدة الأمن العربي مسألة مترابطة لا تقبل التجزئة. وثالثا، توجيه إشارة واضحة بأن المغرب يتابع بقلق بالغ مسار التصعيد الحالي، ويرفض أي انزلاق نحو الفوضى.
في سياق المواجهة الدائرة اليوم، يبدو أن المنطقة تدخل مرحلة دقيقة عنوانها إعادة رسم قواعد الاشتباك. الولايات المتحدة تؤكد أنها لن تسمح بتهديد مصالحها أو مصالح حلفائها، وإسرائيل تعلن أنها مستعدة للذهاب بعيدا لمنع ما تعتبره خطرا وجوديا، بينما ترى إيران أن الضربات تمثل تجاوزا غير مسبوق يستدعي ردا يعيد “توازن الردع”.
سيناريوهات مفتوحة… ومخاطر كامنة
المخاوف لا تتوقف عند احتمال تبادل الضربات المباشرة، بل تتجاوز ذلك إلى احتمال اشتعال جبهات متعددة عبر فاعلين إقليميين، وهو ما قد يحول الشرق الأوسط إلى مسرح توتر دائم، ويؤثر على أسواق الطاقة وحركة الملاحة الدولية والاستقرار الاقتصادي العالمي.
بالنسبة للمغرب، الذي يحرص على نهج سياسة خارجية متوازنة قائمة على احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، فإن الدفاع عن استقرار الخليج لا ينفصل عن الدفاع عن الاستقرار العربي عموما. كما أن الرباط، التي راكمت خبرة في الوساطات والدبلوماسية الهادئة، تدرك أن استمرار التصعيد يهدد بنسف أي أفق للحلول السياسية.
نحو لحظة اختبار إقليمي
المرحلة الحالية تمثل اختبارا حقيقيا لقدرة الأطراف المتنازعة على ضبط النفس ومنع الانزلاق إلى مواجهة شاملة. فالمعادلة اليوم لا تقف عند حدود إيران وإسرائيل أو إيران والولايات المتحدة، بل تمتد إلى شبكة معقدة من التحالفات والاصطفافات.
وفي خضم هذا المشهد المتشابك، يأتي بلاغ الديوان الملكي ليؤكد أن الرباط اختارت موقعها الواضح: الوقوف إلى جانب أمن واستقرار حلفائها في الخليج، واعتبار أي استهداف لهم تهديدا مباشرا للأمن الإقليمي.
بين تصعيد عسكري ورسائل سياسية، تبقى المنطقة على صفيح ساخن. وكل الأنظار تتجه إلى الخطوة التالية: هل تتجه الأطراف إلى التهدئة وإعادة الحسابات، أم أن شرارة المواجهة ستتحول إلى نار مفتوحة؟
المغرب، من جهته، حسم موقفه. أما المنطقة، فما تزال تنتظر مآلات يوم قد يكون فاصلا في تاريخ توازناتها.














