تافيلالت وفجيج على صفيح الاستثمار المعدني: 361 جزءا منجميا في أكبر عملية فتح تنافسي بالشرق المغربي

تافيلالت وفجيج على صفيح الاستثمار المعدني: 361 جزءًا منجميًا في أكبر عملية فتح تنافسي بالشرق المغربي
الحدث بريس – إدريس بوداش

أطلقت وزارة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة إعلانا عموميا عن المنافسة يحمل رقم 2026/DGMH/1, يهم منح 361 جزءا ذا اهتمام داخل المنطقة المنجمية لتافيلالت وفجيج. على مساحة تقدر بحوالي 13 ألف كيلومتر مربع. أي ما يعادل 1,3 مليون هكتار، وهو ما يمثل 22 في المائة من مجموع المجال المنجمي بهذه الرقعة الواسعة من الشرق المغربي.

بهذا القرار، تدخل المنطقة مرحلة جديدة من تاريخها الاقتصادي، وتنتقل من هامش جغرافي محدود الاستثمار إلى واجهة استراتيجية ضمن خريطة المعادن الوطنية. فالأمر لا يتعلق فقط بفتح أجزاء منجمية أمام المستثمرين، بل بإعادة صياغة العلاقة بين الدولة والثروة الباطنية. وفق تصور يربط الاستغلال بالتنمية، ويجعل الاستدامة شرطا مركزيا في أي مشروع قادم.

ومن حيث الأرقام، تعد هذه العملية من أوسع عمليات فتح المجال المنجمي في السنوات الأخيرة. غير أن أهميتها الحقيقية تكمن في الفلسفة التي تؤطرها. فالوزارة لم تكتف بالإعلان عن المنافسة. بل أرفقتها بأربع إجراءات مبتكرة تعكس تحولا واضحا في مقاربة تدبير القطاع. فقد تم اعتماد تقييم متعدد المعايير يأخذ بعين الاعتبار الجوانب التقنية والمالية، إلى جانب الأثر السوسيو-اقتصادي المحلي ومتطلبات الصحة والسلامة. كما جرى التشديد على عقلنة استغلال الوعاء العقاري والموارد الطبيعية، خاصة الماء والطاقة، عبر تشجيع الطاقات المتجددة وترشيد استعمال المواد الأولية وتبني مبادئ الاقتصاد الدائري.

من منطق الرخص إلى منطق المشاريع المندمجة

وفي السياق نفسه، فتحت المسطرة الباب أمام تحفيز إضافي للمشاريع التي تقترح نموذج “منجم مستدام” مندمج، يجمع بين التثمين والتخزين واعتماد التكنولوجيات النظيفة، فضلا عن إدماج مبادئ البيئة والمسؤولية الاجتماعية والحكامة الجيدة، انسجاما مع إعلان مراكش الصادر في نونبر 2025.
وبعبارة أدق، لم يعد الفوز بالأجزاء المنجمية مرتبطا فقط بحجم الاستثمار أو القوة التقنية، بل أصبح رهينا بمدى قدرة المشروع على خلق قيمة مضافة داخل المجال الترابي، واحترام التوازنات البيئية، والانخراط في رؤية وطنية تجعل من الاستدامة ركيزة أساسية لأي نشاط منجمي.
وتكتسي هذه الخطوة أهمية خاصة بالنظر إلى الغنى المعدني الذي تزخر به المنطقة. فتافيلالت وفجيج تحتضنان احتياطات مهمة من الذهب والفضة والنحاس والرصاص والزنك والباريت، إضافة إلى موارد أخرى محددة في طلب إبداء الاهتمام. وهي معادن استراتيجية قادرة، إذا ما تم تثمينها بعقلانية، على إحداث دينامية اقتصادية جديدة في أقاليم طالما عانت من ضعف الاستثمارات الكبرى وندرة فرص الشغل.

ثروات كامنة… ورهان تنموي مؤجل

غير أن التجارب السابقة، سواء في المغرب أو خارجه، أظهرت أن توفر الثروة الطبيعية لا يعني بالضرورة تحقيق التنمية المحلية. لذلك، يكتسي إدماج البعد الاجتماعي ضمن معايير الانتقاء دلالة خاصة، لأنه يفترض ربط الاستغلال المعدني بالتشغيل المحلي، وتشجيع المقاولات الصغرى، وإشراك الساكنة في ثمار الاستثمار. فالمطلوب اليوم ليس فقط استخراج المعادن، بل بناء منظومة إنتاجية متكاملة تحول الثروة الباطنية إلى تنمية فوق الأرض.
ومن جهة أخرى، يعكس التركيز على ترشيد الماء والطاقة وعيا رسميا بحساسية المجال بيئيا. فالشرق المغربي، بحكم طبيعته الشبه الصحراوية، يعيش ضغطا متزايدا على الموارد المائية. ما يجعل أي نشاط صناعي أو منجمي مطالبا بتبني حلول مبتكرة لتقليص الاستهلاك والاعتماد على الطاقات النظيفة. وهنا تبرز أهمية تشجيع المشاريع التي تدمج الطاقة الشمسية وتكنولوجيات التخزين ضمن منظومتها الإنتاجية. بما يحد من الأثر البيئي ويخفض كلفة التشغيل على المدى المتوسط.
وعلى المستوى المسطري، حددت الوزارة يوم 15 ماي 2026 على الساعة الرابعة والنصف بعد الزوال كآخر أجل لإيداع ملفات الترشيح، لدى المديريتين الجهويتين المختصتين بكل من الرشيدية ووجدة، حسب موقع الأجزاء المعنية. كما تم نشر الإعلان الرسمي باللغتين العربية والفرنسية على الموقع الإلكتروني للوزارة، مع تخصيص بريد إلكتروني لتلقي طلبات الملفات والاستفسارات.
غير أن الرهان الحقيقي لن يحسم في مرحلة الإعلان أو الانتقاء فقط، بل في مرحلة التتبع والمراقبة. فنجاح هذه المقاربة الجديدة يظل رهينا بصرامة التنزيل وشفافية التقييم، لأن القطاع المنجمي بطبيعته مجال حساس تتقاطع فيه المصالح الاقتصادية الكبرى مع اعتبارات بيئية واجتماعية دقيقة. لذلك، يبقى السؤال مطروحا حول قدرة الإدارة على مواكبة المشاريع الفائزة، وضمان احترامها للالتزامات المعلنة.

ومن زاوية أوسع، يمكن قراءة هذا الورش ضمن سياق إعادة تموقع المغرب داخل سلاسل القيمة العالمية للمعادن الاستراتيجية. في ظل الطلب المتزايد على المواد المرتبطة بالانتقال الطاقي والصناعات التكنولوجية. فالنحاس والزنك والذهب لم تعد مجرد معادن تقليدية، بل أصبحت عناصر أساسية في البنيات التحتية الحديثة وفي اقتصاد الطاقة النظيفة.

آجال واضحة… والرهان الحقيقي في التنزيل

وعليه، فإن فتح 361 جزءا منجميا دفعة واحدة يبعث برسالة مزدوجة. فمن جهة، يطمئن المستثمرين بوجود رؤية واضحة وإطار تنافسي منظم. ومن جهة أخرى، يؤكد أن الدولة لم تعد تقبل باستغلال الموارد خارج شروط الاستدامة والمسؤولية الاجتماعية.

في المقابل، يبقى السؤال الجوهري معلقا.. هل ستنجح هذه العملية في تحقيق التوازن بين جذب الرساميل الكبرى وضمان استفادة الساكنة المحلية؟ وهل ستتحول تافيلالت وفجيج إلى قطب اقتصادي حقيقي، أم ستظل مجرد خزان مواد أولية؟

الجواب لن يكون فوريا، غير أن المؤكد أن الدولة وضعت إطارا جديدا للعبة. يربط الاستثمار بالالتزام البيئي والاجتماعي، ويجعل من الاستدامة معيارا حاسما في منح الامتيازات. وهو ما يعني أن المرحلة المقبلة ستفرز فاعلين قادرين على التكيف مع هذا النموذج. مقابل إقصاء المشاريع التي لا تستجيب لمتطلباته.

إلى ذلك لا يبدو إعلان المنافسة رقم 2026/DGMH/1 مجرد إجراء إداري عابر. بل محطة مفصلية في مسار تحديث السياسة المنجمية بالمغرب. وإذا ما تم تنزيله وفق الروح التي أعلن عنها، فقد يشكل نقطة تحول حقيقية في تنمية الشرق المغربي. ويعيد رسم العلاقة بين الثروة الطبيعية والتنمية المجالية على أسس أكثر توازنا وعدالة.

وفي انتظار نتائج الانتقاء، تبقى الأنظار مشدودة نحو تافيلالت وفجيج. حيث تختبر الدولة نموذجا جديدا لتدبير الذهب والفضة والنحاس. ليس باعتبارها معادن فقط، بل باعتبارها رافعة محتملة لاقتصاد محلي طال انتظاره.

أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :‫‫عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

أخبار عاجلة