لم تكن اللقاءات التي عقدها عبد اللطيف حموشي، المدير العام للأمن الوطني ولمراقبة التراب الوطني، مع سفراء المملكة المتحدة والغابون وماليزيا، مجرد اجتماعات بروتوكولية، بل عكست دينامية متصاعدة للدبلوماسية الأمنية المغربية، وسعيا واضحا إلى ترسيخ شراكات أمنية متقدمة تتجاوز الطابع الثنائي نحو مقاربات إقليمية ومتعددة الأطراف، في سياق دولي موسوم بتنامي التهديدات العابرة للحدود.
المغرب والمملكة المتحدة: شراكة أمنية متقدمة في مواجهة المخاطر العابرة
استهل حموشي برنامج لقاءاته باستقبال سفير المملكة المتحدة. حيث شكل اللقاء محطة لتقييم حصيلة التعاون الأمني بين الرباط ولندن. والذي يعد من بين أكثر نماذج التعاون الثنائي تقدما في المجال الأمني. فقد شملت المباحثات قضايا محورية، من بينها أمن الحدود، ومكافحة الإرهاب، والتصدي للجريمة المنظمة العابرة للحدود. وهي مجالات تتطلب تنسيقا استخباراتيا وعملياتيا عالي المستوى.
ويعكس هذا التعاون المتقدم الثقة المتبادلة بين البلدين، كما يترجم إدراكا مشتركا بأن التحديات الأمنية الراهنة لم تعد محصورة داخل الحدود الوطنية. بل باتت مرتبطة بفضاءات جغرافية مفتوحة، ما يستدعي آليات استباقية وتعاونا مرنا وقابلا للتطوير.
الغابون والساحل والصحراء: نحو تعاون أمني جنوب–جنوب
اللقاء مع سفير جمهورية الغابون حمل بعدا إقليميا أكثر عمقا. حيث انصب النقاش على الوضع الأمني الهش بمنطقة الساحل والصحراء. وما يفرزه من تهديدات متزايدة، تشمل تمدد التنظيمات الإرهابية، وشبكات الجريمة المنظمة، وتفاقم الهجرة غير النظامية.
وفي هذا السياق، شكل اللقاء فرصة لوضع أسس رؤية استراتيجية مشتركة تروم بناء فضاء للتعاون الشرطي جنوب–جنوب. يقوم على تقاسم الخبرات المغربية في مجالات التكوين الشرطي. وتعزيز القدرات الأمنية للدول الإفريقية، في إطار مقاربة تضامنية تستند إلى القرب الجغرافي وفهم الخصوصيات المحلية.
ماليزيا: توسيع الشراكات نحو العمق الآسيوي
أما اللقاء مع سفير دولة ماليزيا، فقد عكس توجها مغربيا واضحا نحو تنويع الشراكات الأمنية والانفتاح على الفضاء الآسيوي، باعتباره مجالا استراتيجيا لمواجهة تهديدات متشابهة، خصوصا في ما يتعلق بالجريمة المنظمة والتطرف العنيف.
وتركزت المباحثات حول آليات تعزيز التعاون العملياتي وتبادل المساعدة التقنية، بما يعزز من جاهزية الأجهزة الأمنية للبلدين، ويؤسس لشراكة عملية قائمة على تبادل التجارب والخبرات في مجالات دقيقة وحساسة.
دبلوماسية أمنية نشطة برؤية استباقية
تكشف هذه اللقاءات الثلاثة عن ملامح دبلوماسية أمنية مغربية نشطة، تقوم على الانتقال من التعاون الظرفي إلى بناء شراكات مستدامة، قادرة على التكيف مع التحولات المتسارعة في طبيعة التهديدات. كما تعكس حرص المديرية العامة للأمن الوطني والمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني على توسيع شبكة التنسيق الأمني. وتعزيز قنوات تبادل المعلومات الاستخباراتية. بما يضمن استباق المخاطر قبل تحولها إلى تهديدات فعلية.
المغرب… فاعل أمني موثوق في محيط مضطرب
في ظل بيئة إقليمية ودولية متقلبة، تبرز التجربة المغربية كنموذج في الاستقرار والنجاعة الأمنية. وهو ما يفسر تنامي طلبات التعاون والشراكة من قبل عدد من الدول الصديقة والشقيقة. وتؤكد هذه اللقاءات أن المغرب لم يعد مجرد مستفيد من التعاون الأمني، بل بات مساهما فاعلا في إنتاج الأمن الإقليمي والدولي، من خلال رؤية تقوم على المهنية، والتنسيق، والاستباق.
إن استقبال عبد اللطيف حموشي لسفراء المملكة المتحدة والغابون وماليزيا يشكل رسالة واضحة مفادها أن الأمن بات عنصرا مركزيا في السياسة الخارجية المغربية. وأن الرباط تراهن على شراكات أمنية متوازنة ومتعددة الأبعاد، لمواجهة تحديات عالم يتغير بسرعة. حيث لم يعد الأمن مسألة داخلية، بل رافعة أساسية للاستقرار والتنمية والشراكة الدولية.






