يشهد المشهد السياسي بين الولايات المتحدة والعراق تطورا مفاجئا، بعد تأكيد مصادر متعددة أن مارك سافايا، المبعوث الأمريكي الخاص للعراق الذي عيّنه دونالد ترامب قبل أشهر قليلة، لم يعد يشغل منصبه.
وتكشف مؤشرات عديدة، رغم نفي سافايا نفسه، أن واشنطن دخلت في مرحلة إعادة ترتيب أوراقها العراقية. في لحظة حساسة تتصاعد فيها التوترات حول النفوذ الإيراني ومستقبل الحكم في بغداد.
رحيل مفاجئ… وغياب تفسير رسمي
وأعلنت مصادر مطلعة أن مارك سافايا، الذي أثار تعيينه جدلا منذ اللحظة الأولى بسبب افتقاره للخبرة الدبلوماسية، لم يعد مبعوثا خاصا للعراق، رغم نفيه في تصريح مقتضب. غياب تعليق رسمي من البيت الأبيض ووزارة الخارجية يزيد الغموض، خصوصا بعد اختفاء حساب سافايا من منصة “إكس”. وامتناعه عن الرد على طلبات التوضيح. هذا الارتباك يفتح الباب أمام احتمال وجود خلافات داخلية في الإدارة الأمريكية بشأن إدارة الملف العراقي.
خلفيات شخصية مثيرة… وتعيين غير تقليدي
وجاء اختيار سافايا مفاجئا لعدة أسباب: رجل أعمال في مجال القنب وليس دبلوماسيا، يفتقر للخبرة في شؤون الشرق الأوسط، أحد القلائل من أصول عربية الذين عينهم ترامب في مواقع عليا، تقاطع واضح بين تعيينه وحملة ترامب لكسب أصوات العرب والمسلمين عدم سفره إلى العراق منذ تعيينه، وإلغاء زيارته الرسمية قبل أيام. يعزز الشكوك حول جدّية أو إمكانية استمراره في المنصب.
ضغوط أمريكية… والمالكي في قلب العاصفة
وجاء رحيل سافايا وسط سياق سياسي مضطرب، يتمثل في:تصاعد النفوذ الإيراني في العراق، عودة نوري المالكي إلى واجهة الترشيحات لرئاسة الوزراء، تحذير علني من ترامب لبغداد: “إذا تم اختيار المالكي، فلن تقدّم واشنطن أي دعم للعراق.”
وتشير مصادر إلى أن “سوء إدارة” ملف الترشيحات، خصوصاً فشل سافايا في منع صعود المالكي، كان أحد أسباب استبعاده غير المعلن.
هل يتولى توم براك الملف العراقي؟
وتتداول مصادر أمريكية وعراقية اسم توم براك—السفير الأمريكي في تركيا والمبعوث الخاص إلى سوريا—كخليفة محتمل لسافايا. تحركات براك الأخيرة، خاصة زيارته إلى أربيل للقاء قوات سوريا الديمقراطية، تعطي إشارات أولية إلى احتمال تغييره لحقيبته الدبلوماسية. مما يوحي بأن واشنطن تريد شخصية ذات خبرة عالية لإدارة الملف العراقي الحساس.
العراق بين واشنطن وطهران… معركة نفوذ تتجدد
ويمثل العراق أحد ميادين التوتر الأبرز بين الولايات المتحدة وإيران. وفي اللحظة التي يحاول فيها بغداد التوازن بين الحليفين. يأتي هذا الاضطراب في الإدارة الأمريكية ليعيد رسم المشهد: واشنطن تصعّد ضغوطها لوقف النفوذ الإيراني، طهران تستفيد من حالة الارتباك الأمريكي..الكتل السياسية العراقية تستغل الصراع بين الطرفين لتعزيز مواقعها. تعيين مبعوث أمريكي غير متمرس، ثم رحيله المفاجئ. يعكس ربما غياب سياسة موحدة في واشنطن تجاه العراق.
قراءة أوسع: هل فقدت واشنطن بوصلتها العراقية؟
واعتبرت أزمة سافايا مثالا صغيرا على أزمة أكبر: تناقض داخل المؤسسات الأمريكية حول كيفية التعامل مع بغداد: غياب رؤية استراتيجية ثابتة، تزايد قوة الفاعلين المنافسين في العراق، ضغوط انتخابية على ترامب تجعله يستغل الملف العراقي داخلياً في هذه الأجواء. يبدو العراق وكأنه ساحة صراع بين رسائل واشنطن المتناقضة.
ويكشف رحيل مارك سافايا من منصبه، رغم التعتيم الرسمي، عن خلل عميق في آلية صنع القرار الأمريكي تجاه العراق. فضلا عن تأجيج التنافس المتصاعد مع إيران حول مستقبل الحكم في بغداد. ومع ذلك، يزيد الغموض المحيط بالقضية من تعقيد المشهد، ليطرح—بالتوازي—أسئلة ملحّة حول ما إذا كانت واشنطن ستتجه إلى تعيين مبعوث أكثر خبرة وقوة، وحول مدى تأثير هذا الارتباك على موقفها من ترشيح المالكي.
كما يدفع هذا التطور للتساؤل عما إذا كان الأمر يعكس تراجعا في النفوذ الأمريكي بالعراق أم مجرد إعادة تموضع تكتيكي. وستظل الأيام المقبلة وحدها القادرة على تحديد الاتجاه الحقيقي للبوصلة الأمريكية.






