مع حلول شهر رمضان، يتضاعف الوعي بالتضامن والمواساة، لكن الشوارع المغربية تشهد أيضا ظاهرة التسول، التي تتنوع بين حاجة حقيقية واستغلال متعمد. هذه الظاهرة تتسبب في انقسام شعور المواطنين بين التعاطف والغضب، وتطرح أسئلة حول دور المجتمع والدولة في مواجهة هذه الممارسات.
الفقراء الحقيقيون: وجوه الإنسانية
يتذكر المغاربة دورهم في دعم الفئات الضعيفة، خاصة في رمضان. حيث يكثر اللجوء إلى التبرعات و”قفة رمضان” لضمان قوت الأسر المحتاجة. بعض الأسر تعيش ظروفا صعبة تجعلها مضطرة إلى التسول لتأمين أبسط مستلزماتها.
تقول فاطمة، أم لخمسة أطفال في الدار البيضاء: “الشهر الفضيل يزيد الحاجة، ونحن أحيانًا نضطر للخروج وطلب المساعدة، فقط لتوفير الطعام لأطفالنا.”
وفي حي آخر بالرباط، يشير أحد كبار السن، محمد، إلى أن المعونة الشهرية من الجمعيات لا تكفي دائما لتغطية كل الاحتياجات، فتكون بعض التبرعات من المارة أو الأقارب مصدر البقاء للأسر الفقيرة. هؤلاء يمثلون الوجه الإنساني للتسول، حيث يصبح العطاء في رمضان تعبيرا عن التضامن الديني والاجتماعي.
وفي المقابل، يبرز نوع آخر من التسول، يتحول فيه الشخص إلى “حرفي” في هذه الممارسة، مستغلا شعور المواطنين بالرحمة. هؤلاء غالبا يستخدمون قصصا وهمية أو لافتات مكتوبة تهدف إلى جذب التعاطف، أحيانًا بشكل يومي ومنظم.
وتشير دراسة حديثة إلى أن بعض المتسولين يعتمدون على الأطفال والنساء في الشوارع، مستغلين ضعفهم للحصول على أموال أكثر. كما أن وسائل التواصل الاجتماعي ساعدت في نشر مقاطع فيديو مؤثرة تهدف إلى جمع التبرعات، لكنها غالبا لا تصل إلى مستحقيها الفعليين، بل تصبح مصدر دخل مستمر للبعض.
وتؤكد فاعلة جمعوية بالدار البيضاء، نادية، أن هذه الممارسات تضر بالقيم الأخلاقية، حيث تضعف الثقة بين المواطنين ومؤسسات الدعم، وتحوّل رمضان من مناسبة للتضامن إلى فرصة لاستغلال النفوس:
“عندما يتحول التسول إلى حرفة، فإن ذلك يضر بالمجتمع ويشوه روح الشهر الفضيل.”
الأطفال والتسول: ظاهرة مقلقة
أحد أكثر جوانب التسول الحرفي خطورة هو استغلال الأطفال. في بعض الشوارع، يظهر الأطفال وهم يحملون لافتات مكتوبة، يطلبون التبرعات باسم أسرهم أو لأسباب وهمية. هذه الممارسات تهدد حقوق الأطفال، وتحرمهم من التعليم والعيش بكرامة، كما تضعهم تحت ضغط نفسي واجتماعي كبير.
يشير خبراء في علم الاجتماع إلى أن الأطفال الذين يستغلون في التسول غالبًا ما يكررون هذا السلوك لاحقًا في حياتهم، ما يجعل التسول مهنة مستمرة ومتوارثة، إذا لم يتم التصدي لها عبر برامج حماية الأطفال والتعليم والدعم الاجتماعي.
التسول بين مسؤولية الدولة والمجتمع: التشريع والتوعية
ولمواجهة التسول الحرفي، يرى الخبراء أن الحل لا يكمن فقط في العقوبات القانونية. بل في برامج شاملة تشمل التوعية والدعم الاجتماعي. بعض المدن المغربية تنفذ حملات لمراقبة التسول، مع التركيز على حماية الأطفال وضمان وصول الدعم للفئات الحقيقية المستحقة.
وفي الوقت نفسه، تشجع الجمعيات على تقديم بدائل، مثل مراكز الدعم الاجتماعي والتأهيل المهني. لضمان ألا يكون التسول خيارًا للبقاء على قيد الحياة. كما يلعب الإعلام دورًا كبيرًا في توعية المواطنين حول كيفية تقديم المساعدات بشكل مسؤول، بعيدًا عن الاستغلال والخداع.
رمضان: اختبار للقيم والأخلاق
يمثل شهر رمضان فرصة للتأمل وإعادة ترتيب الأولويات، ليس فقط على المستوى الروحي. بل أيضا على المستوى الاجتماعي. التضامن والمواساة يمثلان جوهر الشهر الفضيل، لكن يجب أن يكون العطاء مسؤولا، موجها لمن يستحقه.
ويعكس التسول الحقيقي حاجة الإنسان للعيش الكريم، ويستحق الدعم والتعاطف. أما التسول الحرفي فيشكل تهديدا للقيم الدينية والأخلاقية، ويخلق شعورا بالاستغلال بين الناس. مواجهة هذه الظاهرة تتطلب تعاونا بين الدولة، الجمعيات، والمواطنين أنفسهم، لضمان أن يظل رمضان مناسبة للخير والكرامة الإنسانية، وليس للربح الشخصي على حساب القيم.
بين الفقراء الحقيقيين وأصحاب التسول المهني، يبقى رمضان اختبارًا لقيم المجتمع المغربي. المجتمع والدولة مسؤولان عن حماية الفئات الضعيفة، وتقديم الدعم للفقراء الحقيقيين. في حين يجب التصدي لكل أشكال الاستغلال التي تهدد روح الشهر الفضيل.
التوازن بين الإنسانية والعدالة الاجتماعية يتطلب وعيا مجتمعيا واسعا. وبرامج دعم حقيقية، مع مراقبة فعالة لضمان أن تصل المساعدات لمن يستحقها، وأن يبقى رمضان فرصة للتضامن والكرم، بعيدا عن الابتزاز النفسي واستغلال المشاعر.






