تشهد إيران واحدة من أهم لحظاتها السياسية منذ تأسيس النظام عام 1979. بعدما أعلن أعضاء في مجلس خبراء القيادة التوصل إلى قرار نهائي بشأن اختيار مرشد أعلى جديد للبلاد خلفا لآية الله علي خامنئي. في خطوة قد تعيد رسم ملامح السلطة في طهران خلال السنوات المقبلة.
وانتهت عملية التصويت داخل المجلس بالفعل، بحسب تصريحات نقلتها وسائل إعلام إيرانية ودولية. وتم الاتفاق على الشخصية التي ستتولى أعلى منصب في هرم النظام الإيراني. غير أن اسم المرشح لم يعلن بعد بشكل رسمي، في انتظار إعلان رسمي من الأمانة العامة للمجلس.
ويأتي هذا التطور في سياق سياسي وعسكري شديد التعقيد تعيشه إيران. خاصة بعد مقتل المرشد السابق علي خامنئي في ضربة عسكرية خلال التصعيد العسكري الأخير في المنطقة. الأمر الذي دفع مؤسسات النظام إلى التحرك بسرعة لتأمين انتقال السلطة ومنع أي فراغ سياسي قد يهدد استقرار الدولة.
مجلس خبراء القيادة يحسم القرار… لكن الاسم ما زال طي الكتمان
وأعلن عدد من أعضاء مجلس خبراء القيادة أن الهيئة الدينية التي تتولى دستوريا اختيار المرشد الأعلى قد انتهت من عملية التصويت على الشخصية التي ستخلف خامنئي في قيادة الجمهورية الإسلامية.
وأكد رجل الدين أحمد علم الهدى، وهو عضو في المجلس، أن عملية الاختيار تمت بالفعل. مشيرا إلى أن “التصويت جرى واختير المرشد الجديد”. وأن الإعلان الرسمي عن الاسم سيتم في وقت لاحق من قبل الجهات المختصة داخل المجلس.
كما صرح عضو المجلس محسن حيدري بأن المرشح الذي تم التوافق عليه حصل على دعم أغلبية أعضاء المجلس. مؤكدا أن القرار جاء بعد مشاورات مكثفة بين رجال الدين المشاركين في عملية الاختيار.
ويضم مجلس خبراء القيادة 88 رجل دين منتخبين. وتناط به مهمة مراقبة أداء المرشد الأعلى واختيار خلف له في حال وفاته أو عزله. وهو ما يجعل قراراته من أكثر القرارات تأثيرا في بنية النظام السياسي الإيراني.
ويجتمع المجلس بشكل عاجل فور شغور منصب المرشد بحسب الدستور الإيراني. ويعمل على اختيار شخصية دينية وسياسية تتوفر فيها شروط القيادة الدينية والسياسية، بما يضمن استمرار النظام.
ويعكس الكتمان الذي يحيط باسم المرشح، مع أن القرار قد حسم داخل المجلس، حساسية اللحظة السياسية. خصوصا في ظل الضغوط الخارجية والتوترات الأمنية التي تشهدها البلاد.
مرحلة انتقالية حساسة بعد مقتل خامنئي
وأحدث مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي صدمة سياسية كبيرة داخل إيران وخارجها. باعتباره أحد أهم الشخصيات التي حكمت البلاد لأكثر من ثلاثة عقود منذ توليه المنصب عام 1989.
وجاءت وفاته في سياق تصعيد عسكري واسع بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى. ما جعل مسألة اختيار خليفة له قضية استراتيجية بالنسبة للنظام الإيراني.
وتم بعد الإعلان عن مقتله، تفعيل المادة 111 من الدستور الإيراني. التي تنص على تشكيل مجلس قيادة مؤقت يتولى مهام المرشد الأعلى إلى حين انتخاب خليفة دائم له.
وتكون هذا المجلس الانتقالي من الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان. ورئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إيجئي. إضافة إلى أحد رجال الدين من مجلس صيانة الدستور.
وتولت هذه الهيئة المؤقتة إدارة شؤون الدولة خلال الأيام الماضية، في انتظار حسم مجلس خبراء القيادة لقرار اختيار المرشد الجديد.
وتشير تقارير إعلامية إلى أن مؤسسات الدولة الإيرانية، وعلى رأسها الحرس الثوري، كانت حريصة على تسريع عملية اختيار القيادة الجديدة. تفاديا لأي اضطراب سياسي أو أمني قد يضعف الدولة في ظل الحرب الدائرة في المنطقة.
مجتبى خامنئي ومرشحون آخرون… صراع هادئ داخل أروقة السلطة
وبدأت التكهنات، منذ الإعلان عن مقتل خامنئي، تدور حول هوية الشخص الذي سيخلفه في قيادة الجمهورية الإسلامية. حيث برزت عدة أسماء داخل المؤسسة الدينية والسياسية الإيرانية.
ويعد مجتبى خامنئي، نجل المرشد الراحل، من أبرز الأسماء التي طرحت لخلافة والده. خاصة أنه يتمتع بنفوذ واسع داخل بعض دوائر السلطة. بما في ذلك الحرس الثوري والمؤسسة الدينية المحافظة.
وأثار ترشيحه مع ذلك جدلا واسعا داخل إيران وخارجها. إذ يرى منتقدون أن وصوله إلى المنصب قد يرسخ فكرة “توريث السلطة” داخل نظام يفترض أن يقوم على الاختيار الديني والسياسي وليس الوراثة.
وظهرت، إلى جانب مجتبى خامنئي، أسماء أخرى داخل المشهد السياسي والديني. من بينها شخصيات دينية بارزة وأعضاء في مجلس الخبراء أو مجلس صيانة الدستور. إضافة إلى بعض الشخصيات المقربة من دوائر صنع القرار.
وحرصت القيادة الإيرانية رغم هذه التكهنات، على إبقاء تفاصيل النقاشات داخل المجلس سرية. وهو تقليد معروف في عملية اختيار المرشد الأعلى التي تتم غالبا خلف الأبواب المغلقة.
انتقال السلطة في ظل حرب إقليمية متصاعدة
ولا يأتي اختيار المرشد الجديد في ظرف سياسي عادي. بل في لحظة إقليمية شديدة التوتر. حيث تشهد المنطقة تصعيدا عسكريا خطيرا بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة.
وتبادلت أطراف النزاع، في الأيام الأخيرة، ضربات عسكرية استهدفت منشآت استراتيجية داخل إيران ومواقع مرتبطة بحلفاء طهران في المنطقة. بينما ردت إيران بإطلاق صواريخ وطائرات مسيرة استهدفت مواقع مختلفة في الشرق الأوسط.
كما هددت إسرائيل علنا باستهداف أي شخصية تتولى منصب المرشد الجديد أو تشارك في عملية اختياره. في خطوة تعكس حجم الرهانات المرتبطة بمستقبل القيادة الإيرانية.
ويرى مراقبون أن اختيار المرشد الجديد لن يكون مجرد قرار ديني أو سياسي داخلي. بل خطوة سترسم ملامح السياسة الإيرانية في الملفات الكبرى. وعلى رأسها البرنامج النووي والعلاقات مع الغرب والصراع الإقليمي.
وستتحكم الشخصية التي ستتولى المنصب فعليا في أهم مؤسسات الدولة. بما في ذلك القوات المسلحة والحرس الثوري والسياسة الخارجية.
مستقبل النظام الإيراني بعد المرشد الجديد
ويمثل منصب المرشد الأعلى في إيران حجر الزاوية في النظام السياسي للجمهورية الإسلامية. إذ يتمتع بصلاحيات واسعة تشمل الإشراف على الجيش والأجهزة الأمنية وتعيين كبار المسؤولين في الدولة.
واختيار المرشد الجديد لا يتعلق فقط بشخصية دينية. بل بمسار كامل للدولة الإيرانية خلال المرحلة المقبلة.
ويرى بعض المحللين أن القيادة الجديدة قد تميل إلى التشدد في مواجهة الضغوط الخارجية، خصوصا في ظل الحرب الجارية. بينما يعتقد آخرون أن إيران قد تسعى إلى تهدئة التوترات الإقليمية لتفادي مزيد من الاستنزاف.
وسيشكل الإعلان الرسمي عن اسم المرشد الجديد، في كل الأحوال، لحظة مفصلية في تاريخ إيران المعاصر. وقد يفتح الباب أمام مرحلة سياسية جديدة تختلف في توازناتها الداخلية والخارجية عن المرحلة التي حكم فيها علي خامنئي لأكثر من ثلاثة عقود.
ويبقى السؤال الأهم، بينما يترقب العالم الإعلان الرسمي عن اسم المرشد الثالث للجمهورية الإسلامية منذ الثورة الإيرانية. هل سيقود القائد الجديد إيران نحو مزيد من التصعيد أم نحو إعادة ترتيب أوراقها في منطقة تعيش واحدة من أكثر مراحلها اضطرابا؟






