تفرض التحولات المتسارعة في الشرق الأوسط، على وقع التصعيد مع إيران، إعادة التفكير في طبيعة الحروب الحديثة، ليس فقط من زاوية القوة العسكرية، بل من منظور أوسع يشمل بناء التحالفات وصياغة التوازنات الدولية. وبينما تتجه الأنظار إلى الميدان، حيث تتحرك القطع البحرية وتتصاعد وتيرة التهديدات، تتشكل في الكواليس معركة أخرى لا تقل أهمية: معركة الدبلوماسية وتشكيل التحالفات.
ويستحضر هذا المشهد مقولة رئيس الوزراء البريطاني الأسبق ونستون تشرشل: “هناك شيء واحد أسوأ من القتال مع الحلفاء، وهو القتال بدونهم”. وهي عبارة تختزل بعمق التحدي الذي تواجهه الولايات المتحدة اليوم، في ظل محاولتها إدارة صراع معقد دون تأمين إجماع دولي قوي منذ البداية.
بداية متعثرة… غياب الرؤية التحالفية ضد إيران
تظهر المؤشرات الأولية أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب دخلت هذا التصعيد دون إعداد كافٍ على مستوى التحالفات الدولية. فبدل أن تعمل على حشد دعم واسع قبل اتخاذ خطوات عسكرية، وجدت نفسها تسعى إلى كسب التأييد بعد انطلاق العمليات، وهو ما يضعف موقعها التفاوضي ويحدّ من قدرتها على التحكم في مسار الأحداث.
ويرى عدد من المحللين، من بينهم المؤرخ إدوارد سالو، أن هذا الخطأ الاستراتيجي قد تكون له تداعيات أكبر من أي خطأ عسكري محتمل. فالحروب، بحسب هذا المنظور، لا تُكسب فقط بالأسلحة، بل بالتحالفات التي تُبنى حولها، والتي تمنحها الشرعية والفعالية في آن واحد.
وفي هذا السياق، تتزايد المخاوف من أن يؤدي غياب هذا الإطار التحالفي إلى تعقيد مهمة الولايات المتحدة في تحقيق أهدافها، خاصة في منطقة حساسة مثل الخليج، حيث تتداخل المصالح الدولية وتتشابك خطوط الإمداد الحيوية.
مضيق هرمز… شريان الطاقة العالمي تحت التهديد
يتجلى أحد أخطر أبعاد هذا الصراع في التهديدات المرتبطة بمضيق هرمز. الذي يعد أحد أهم الممرات البحرية في العالم. إذ يمر عبره ما يقارب خمس النفط المتداول عالميا. ما يجعله نقطة اختناق استراتيجية لا يمكن لأي قوة كبرى تجاهلها.
ومع تصاعد التوتر، تلوح في الأفق سيناريوهات خطيرة، من بينها إغلاق المضيق أو تعطيل الملاحة فيه. وهو ما من شأنه أن يحدث صدمة في أسواق الطاقة العالمية. وقد بدأت بالفعل مؤشرات هذا الاضطراب تظهر، من خلال ارتفاع أسعار النفط وتزايد القلق في الأسواق المالية.
غير أن التعامل مع هذا التهديد لا يمكن أن يتم بشكل أحادي. إذ يتطلب وجود قوة بحرية متعددة الجنسيات قادرة على تأمين الملاحة وضمان استمرارية تدفق الطاقة. وهو ما يعيدنا إلى جوهر الإشكال: غياب تحالف قوي قادر على الاضطلاع بهذه المهمة.
حلفاء مترددون… حسابات معقدة للانخراط في الحرب ضد إيران
في المقابل، لا يبدو أن الحلفاء التقليديين للولايات المتحدة متحمسون للانخراط في هذا الصراع. فقد عبّرت عدة دول أوروبية عن تحفظها، معتبرة أن هذه المواجهة لا تخدم بالضرورة مصالحها المباشرة.
وقد جاء تصريح وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس. الذي أكد أن “هذه ليست حربنا”، ليعكس هذا التوجه بوضوح. كما حذر نائب رئيس الوزراء الإيطالي ماتيو سالفيني من أن إرسال قوات إلى المنطقة يعني الانخراط الفعلي في الحرب. وهو ما لا ترغب فيه بلاده.
ورغم ذلك، فإن تطورات الميدان، خاصة مع استهداف منشآت الطاقة. دفعت بعض هذه الدول إلى إعادة النظر في مواقفها، حيث أبدت استعدادا أكبر للمساهمة في تأمين الملاحة. غير أن هذا التحول لا يزال محدودا، ولا يرقى إلى مستوى التحالف الواسع الذي تحتاجه واشنطن.
مفارقة الصين… دعوة تربك الاستراتيجية
في خضم هذا الوضع، اتخذت إدارة ترمب خطوة لافتة حين دعت الصين إلى المشاركة في تأمين الملاحة. ورغم أن هذه الخطوة قد تبدو منطقية من زاوية تقاسم الأعباء. فإنها تطرح إشكالات استراتيجية عميقة.
فمن جهة، تتعارض هذه الدعوة مع الخطاب الأميركي الذي يضع الصين في موقع المنافس الاستراتيجي. ومن جهة أخرى، تمنح بكين فرصة لتعزيز حضورها في منطقة تُعد تقليديا ضمن النفوذ الأميركي.
وبالتالي، فإن إشراك الصين في هذا الملف قد يؤدي إلى نتائج عكسية. من خلال تقوية موقعها الدولي وإضعاف القدرة الأميركية على التحكم في مخرجات الصراع، خاصة في مرحلة ما بعد الحرب.
دروس التاريخ… حين تحسم الحروب قبل أن تبدأ
لا تعد هذه الإشكالات جديدة في تاريخ الحروب، إذ سبق أن واجهت القوى الكبرى تحديات مشابهة. وتبرز تجربتان تاريخيتان بارزتان أهمية التحالفات في حسم الصراعات: الحرب العالمية الأولى وحرب الخليج.
فعندما دخلت الولايات المتحدة الحرب العالمية الأولى عام 1917. أدرك الرئيس وودرو ويلسون أن المشاركة الفعالة لا تعني فقط إرسال الجنود. بل أيضا الحفاظ على استقلالية القرار، بما يسمح لبلاده بلعب دور محوري في صياغة السلام.
وقد تحقق ذلك بالفعل، حيث ساهمت الولايات المتحدة في إعادة تشكيل النظام الدولي، مستفيدة من حضورها العسكري والسياسي القوي.
أما في حرب الخليج عام 1991، فقد شكلت إدارة الرئيس جورج بوش الأب تحالفا دوليا واسعا قبل بدء العمليات. وضم هذا التحالف 35 دولة، ونجح في تحقيق أهدافه بسرعة وفعالية. مستندا إلى شرعية دولية قوية ودعم متعدد الأبعاد.
التحالفات ضد إيران… بين الضرورة والشرعية
تظهر هذه التجارب أن التحالفات لا تعد مجرد أداة سياسية. بل هي عنصر أساسي في نجاح العمليات العسكرية. فهي توفر الغطاء الشرعي، وتوزع الأعباء، وتُعزز الفعالية على الأرض.
وفي المقابل، فإن غيابها أو تأخر تشكيلها يضعف الموقف الاستراتيجي. ويجعل الدولة المبادِرة أكثر عرضة للضغوط والتنازلات. كما يُحدّ من قدرتها على فرض رؤيتها في مرحلة ما بعد الحرب.
ومن هنا، فإن الخطأ الذي يحذر منه الخبراء لا يكمن فقط في عدم وجود تحالف. بل في توقيت تشكيله. فبناء التحالف بعد اندلاع الحرب يُفقده الكثير من قيمته. ويحوّله إلى أداة رد فعل بدل أن يكون جزءا من التخطيط الاستراتيجي.
ما بعد الحرب الأمريكية-الاسرائيلة وإيران… معركة النفوذ
إذا كان الحسم العسكري يمثل نصف المعركة، فإن النصف الآخر يتمثل في القدرة على تشكيل النظام الذي يلي الحرب. وهو ما يتطلب حضورا دبلوماسيا قويا وتحالفات متماسكة.
وفي هذا الإطار، تخاطر الولايات المتحدة بفقدان جزء من نفوذها. إذا لم تتمكن من قيادة تحالف واضح المعالم ضد إيران. كما أن إشراك قوى منافسة، مثل الصين. قد يعيد رسم خريطة النفوذ في المنطقة بشكل لا يخدم المصالح الأميركية.
وبالتالي، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في كسب الحرب. بل في كسب السلام، وهو ما يتطلب رؤية استراتيجية شاملة تأخذ بعين الاعتبار مختلف الأبعاد.
بين القوة والتخطيط
في ضوء ما سبق، يتضح أن الصراع مع إيران يمثل اختبارا حقيقيا لقدرة الولايات المتحدة على إدارة الأزمات المعقدة. فبينما تمتلك واشنطن تفوقا عسكريا واضحا. فإن نجاحها النهائي سيعتمد على قدرتها على بناء تحالفات قوية وتوظيفها بشكل فعال.
كما تبرز هذه الأزمة أن دروس التاريخ لا تزال صالحة، وأن تجاهلها قد يؤدي إلى أخطاء مكلفة. فالحروب لا تخاض فقط في ساحات القتال. بل تحسم أيضا في غرف المفاوضات، حيث ترسم ملامح النظام الدولي.






