تحولت موائد الرحمان في مراكش، التي لطالما شكلت جزءا أصيلا من المشهد الرمضاني، من مجرد وجبات مجانية إلى مؤسسة اجتماعية غير مادية تجمع بين روح الكرم المغربي وعمق التضامن الذي يميز المدينة الحمراء. وكان المئات من العمال اليوميين والمهاجرين داخليا وذوي الدخل المحدود يجدون فيها سندا إنسانيا يخفف قسوة اليوم، خاصة لمن يعملون لساعات طويلة أو يعيشون بعيدا عن أسرهم. غير أن المشهد تغير، ليطرح السؤال اليوم: لماذا غابت تلك الموائد؟ وما الذي عطل هذا الإرث الرمضاني؟
ضغوط اقتصادية أم اختفاء للمبادرة؟
وتظهر المعطيات الميدانية أن الأسباب متعددة: اولها ارتفاع الأسعار الذي جعل من الصعب على جمعيات أو محسنين تحمل تكاليف مئات الوجبات يوميا، وتغير أولويات المبادرات الخيرية نحو توزيع القفف بدل موائد جماعية، وتعقيدات الترخيص والتنظيم التي تثني البعض عن إقامة موائد كبيرة في الشوارع والأحياء، وتراجع دور بعض الجمعيات نتيجة ضعف التمويل أو إعادة هيكلة أنشطتها. هذه العوامل مجتمعة خلقت فراغا واضحا، وخصوصا في الأحياء الشعبية ومناطق العمل المؤقت.
من تضرر أكثر؟ الفئات الهشة أولا
ويخلف الغياب المتزايد لموائد الرحمان أثرا مباشرا لا يقتصر على الجانب الرمزي، بل يمتد ليطال الفئات التي كانت تعتمد عليها يوميا خلال رمضان. فبين عمال البناء والحرف الموسمية، والمياومين ضعيفي الدخل، والطلبة الوافدين من خارج المدينة، وكبار السن الذين يعيشون بمفردهم، برزت حاجة متنامية لهذه الوجبات التي كانت، في السابق، تحفظ الكرامة وتمنح شعورا بالانتماء.
ويجد الكثير من هؤلاء أنفسهم اليوم أمام فراغ اجتماعي واضح، بعدما كانوا يقصدون تلك الموائد طلبا لدفء جماعي يخفف هشاشتهم المعيشية. فرمضان بدون مائدة جماعية… ماذا يعني هذا اجتماعيا؟ ولا يرتبط الأمر فقط بتوفير الطعام، بل بالثقافة الرمضانية نفسها. موائد الرحمان كانت: تجمع الغرباء وتخلق روابط إنسانية جديدة، وتحافظ على روح “المواساة” التي يميز بها المجتمع المغربي، وتذكر الميسورين بالتزاماتهم تجاه الفقراء، وتعكس صورة مراكش كمدينة كرم وانفتاح، وغيابها يفقد رمضان واحدا من مظاهره الاجتماعية الأكثر حضورا.
هل فشلت الجمعيات أم الدولة أم المجتمع؟ تحليل للأدوار
ويتبين من خلال هذا التحقيق أن المسؤولية موزعة بين : الجمعيات التي تعاني ضعف التمويل وغلاء الأسعار، والسلطات التي تشدد في التنظيم لأسباب صحية وأمنية، والمحسنون الذين يفضلون مبادرات فردية غير جماعية، والمجتمع المحلي الذي أصبح أكثر انشغالا وأقل مشاركة في العمل التطوعي. كل هذه العناصر مجتمعة أنتجت “نقطة فراغ” لم تنتبه إليها المدينة إلا مع دخول رمضان.
هل يمكن إعادة إحياء الموائد؟ الحلول الممكنة
ويرى خبراء العمل الاجتماعي أن العودة ممكنة، لكن بشروط واضحة: إقامة موائد صغيرة الوتيرة بدل موائد ضخمة لتقليل التكلفة، وتعاون ثلاثي بين جمعيات وفاعلين اقتصاديين والسلطات المحلية، وتبني نموذج “مراكز إفطار” مغلقة بدل موائد في الشوارع، وتشجيع المحسنين على التمويل المستمر لا الموسمي، وتنظيم حملات تطوعية شبابية لتقليص تكاليف الموارد البشرية. والهدف ليس فقط العودة إلى الماضي. بل تحديث هذا التقليد ليواكب التحولات الاقتصادية والاجتماعية.
مراكش بين ذاكرة الكرم وتحديات الواقع
ويتضح بأن اختفاء موائد الرحمان ليس مجرد حادث رمضاني عابر، بل مؤشر على تغيرات عميقة في البنية التضامنية للمدينة. وإذا كانت مراكش قد اشتهرت تاريخيا بروحها الإنسانية والجماعية. فإن إحياء هذا التقليد اليوم أصبح ضرورة اجتماعية أكثر منه مجرد مبادرة موسمية. فهل يستعيد رمضان القادم دفء المائدة الجماعية؟ أم أننا أمام صفحة مطوية من ذاكرة المدينة؟






