يدخل المغاربة اليوم الرابع من شهر رمضان، فيما تتحول الأسواق مرة أخرى إلى مرآة دقيقة لواقع اقتصادي أكثر تعقيدا مما يبدو في الأرقام الرسمية. فمع بداية الشهر الفضيل، لم يكن السؤال هذه السنة هل سترتفع الأسعار؟ بل كان: إلى أي مستوى ستصل؟ وكيف ستؤثر على القدرة الشرائية التي لم تتعاف بعد من موجات تضخمية متتالية منذ 2022؟
المؤشرات العامة للتضخم في المغرب عرفت خلال العام الماضي منحى تنازليا مقارنة بذروة 2022 التي تجاوزت فيها نسبة التضخم 6 في المائة. وهي من أعلى النسب المسجلة خلال العقدين الأخيرين. غير أن تراجع النسبة العامة لا يعني بالضرورة عودة الأسعار إلى مستوياتها السابقة، بل يعني فقط تباطؤ وتيرة الارتفاع. وهنا يكمن الفرق الجوهري الذي يغيب أحيانا عن النقاش العمومي، الأسعار التي ارتفعت خلال موجة التضخم لم تعد إلى الوراء. بل استقرت عند مستويات أعلى، وأي زيادة جديدة، ولو كانت محدودة، تنطلق من قاعدة مرتفعة أصلا.
وهكذا، يصبح رمضان لحظة اختبار مضاعف، لأن الطلب الاستهلاكي يرتفع بشكل طبيعي. بينما تدخل الأسر الشهر بميزانيات استنزفتها السنوات الماضية. فهل تعيش السوق مجرد ضغط موسمي؟ أم أن ما يحدث يعكس اختلالا أعمق في توازن العرض والطلب وفي فعالية السياسات العمومية؟
قراءة في التضخم الحقيقي… بين المؤشرات الرسمية والواقع اليومي
وتظهر المعطيات الرسمية أن معدل التضخم عرف تراجعا مقارنة بفترة الذروة. غير أن تضخم المواد الغذائية ظل الأكثر تأثيرا على جيوب الأسر. فالطاقة قد تتراجع، وبعض السلع المعمرة قد تستقر. لكن الغذاء يظل المكون الأكثر وزنا في سلة الاستهلاك لدى الأسر المغربية، خاصة ذات الدخل المحدود والمتوسط.
وخلال السنوات الثلاث الأخيرة، سجلت أسعار عدد من المواد الغذائية زيادات تراكمية واضحة. اللحوم الحمراء، على سبيل المثال، تأثرت بارتفاع كلفة الأعلاف وتراجع القطيع الوطني نتيجة الجفاف. والخضر بدورها أصبحت رهينة تقلبات مناخية حادة وتكاليف إنتاج مرتفعة. أما الزيوت وبعض المواد المصنعة، فقد ظلت مرتبطة بأسعار الأسواق الدولية لفترة طويلة.
المشكل هنا لا يتعلق فقط بنسبة التضخم السنوية، بل بتآكل متواصل للقدرة الشرائية. فإذا كانت الأجور لم تعرف زيادات موازية لنسب الارتفاع المتراكمة. فإن الفجوة بين الدخل وتكلفة المعيشة تتسع تدريجيا، حتى وإن بدا التضخم “تحت السيطرة” في التقارير الرسمية.
رمضان اليوم، يكشف هذه الفجوة بوضوح أكبر. فالإقبال على مواد بعينها يسلط الضوء على الفارق بين السعر الذي يعتبره المستهلك “عادلا” والسعر الذي يفرضه السوق. وهنا تتحول الأرقام إلى إحساس عام بغلاء المعيشة، وهو إحساس يتجاوز لغة المؤشرات التقنية.
خلل بنيوي في سلاسل التوزيع… من المستفيد فعليا؟
وإذا كان العرض متوفرا كما تؤكد الجهات المختصة، فلماذا تتكرر موجات التوتر السعري كل رمضان؟ الجواب قد لا يكون في الإنتاج، بل في هيكلة السوق ذاتها.
المنتوج الفلاحي في المغرب يمر غالبا عبر مسارات طويلة قبل أن يصل إلى المستهلك. أسواق الجملة تلعب دورا محوريا، لكنها ليست دائما نموذجا للشفافية الكاملة. تعدد الوسطاء يضيف طبقات من هوامش الربح، وفي غياب تتبع رقمي دقيق لمسار الأسعار، يصبح من الصعب تحديد أين يبدأ الارتفاع وأين يتضاعف.
والمسؤولية هنا لا تقع فقط على التاجر الصغير، بل تمتد إلى منظومة تنظيم السوق بأكملها. فالإصلاحات المرتبطة بأسواق الجملة واللوجستيك الفلاحي تعرف بطئا مقارنة بوتيرة التحولات الاقتصادية والاجتماعية. وفي كل موسم استهلاكي حساس، تظهر نتيجة هذا البطء على شكل تذبذب أو ارتفاع يثير الجدل.
والسؤال السياسي المشروع اليوم هو هل قامت السياسات العمومية بما يكفي لتقصير المسافة بين المنتج والمستهلك؟ وهل تم ضبط هوامش الربح بشكل يضمن المنافسة الشريفة دون الإضرار بحرية السوق؟ أم أن السوق تترك لتصحح نفسها في لحظات تعرف بطبيعتها ضغطا استثنائيا؟
المراقبة الموسمية أم الإصلاح العميق؟
في كل رمضان، تتكثف لجان المراقبة، وتعلن أرقام عن مخالفات ومحاضر. غير أن تكرار نفس السيناريو كل سنة يطرح إشكالا حول نجاعة هذا الأسلوب الظرفي.
المراقبة ضرورية، لكنها تبقى علاجا للنتيجة لا للسبب. فإذا كانت أسعار بعض المواد تعرف ارتفاعا ملحوظا في الأيام الأولى، فإن السؤال ليس كم محضرا تم تحريره، بل لماذا يتكرر نفس المشهد سنويا؟
السياسات الاقتصادية خلال السنوات الأخيرة ركزت على دعم استثمارات كبرى وتحفيز النمو. وهو توجه استراتيجي مفهوم، لكن حماية القدرة الشرائية تظل معيارا مباشرا لقياس أثر هذه السياسات على المواطن العادي. فإذا شعر هذا الأخير بأن دخله لم يعد يواكب تكلفة عيشه، فإن الثقة في الإصلاحات تتآكل، مهما كانت المؤشرات الماكرو-اقتصادية إيجابية.
اليوم، ونحن في رابع أيام رمضان، لا يتعلق النقاش فقط بكيلوغرام بطاطس أو درهم زائد في ثمن اللحم. يتعلق الأمر بسؤال أكبر.. هل النمو الاقتصادي المعلن ينعكس فعليا على الحياة اليومية؟ وهل إصلاحات السوق قادرة على منع تآكل القدرة الشرائية في اللحظات الأكثر حساسية؟
اختبار سياسي بغطاء اقتصادي
الأسعار ليست مسألة تقنية فقط، بل قضية سياسية بامتياز. لأن حماية القدرة الشرائية جزء من العقد الاجتماعي بين الدولة والمواطن. وعندما يتحول الغلاء إلى موضوع دائم في رمضان، فإن ذلك يمس صورة السياسات العمومية وفعاليتها.
قد تعرف الأيام المقبلة استقرارا نسبيا مع تراجع موجة الإقبال الأولى. لكن حتى في هذا السيناريو، يبقى النقاش قائما حول الهيكلة العامة للسوق. وحول ضرورة الانتقال من المراقبة الموسمية إلى إصلاح عميق ومستدام يعيد التوازن بين حرية المبادرة وحماية المستهلك.
رمضان إلى اليوم لا يقدم إجابة نهائية، لكنه يسلط الضوء بقوة على مفترق طرق اقتصادي. فإما أن تتحول هذه الظرفية إلى فرصة لمراجعة شاملة لآليات ضبط السوق ودعم القدرة الشرائية، وإما أن يستمر الجدل كل سنة في نفس الدائرة.
فهل يستطيع الاقتصاد أن يطمئن جيوب المغاربة كما يطمئن تقاريره؟ أم أن الهوة بين الأرقام الرسمية وواقع السوق ستظل تتسع مع كل موسم رمضاني جديد؟






