الخميس 18 يونيو 2026
آخر الأخبار
الأهلي المصري يعلن تعاقده مع المغربي الحسين عموتة كلميم.. الدرك الملكي يحجز شحنة كبيرة من الشيرا ويضبط ثلاث سيارات مشبوهة مفاوضات إيرانية أمريكية جديدة في سويسرا.. مسار دبلوماسي لإنهاء الحرب وفتح الملفات العالقة تحطم قاذفة أمريكية من طراز B-52 في كاليفورنيا يودي بحياة طاقمها ويثير تساؤلات حول أسباب الحادث جنيف.. 40 دولة تدعم مغربية الصحراء وتساند مسار الحكم الذاتي جدل في الجزائر بعد غياب مسؤولين من “الفاف” عن مونديال 2026.. التأشيرات أم التقشف المالي؟ فرنسا تستهل مشوارها المونديالي بفوز مثير على السنغال نتائج البكالوريا 2026.. ارتفاع نسبة النجاح إلى 64,8% وأكثر من 262 ألف ناجح في الدورة العادية الأرجنتين تضرب بقوة في مستهل الدفاع عن اللقب.. وميسي يواصل كتابة التاريخ ساكنة زاكورة تحتج على استقبال مهاجرين وتدعو إلى تحسين الخدمات جدل إعلامي عقب تعادل المغرب مع البرازيل.. إشادة بالإنجاز الرياضي وانتقادات لخطاب التقليل من نجاح الأسود أي مصلحة يدافع عنها رافضو تسقيف أسعار المحروقات وإنقاذ “سامير”؟
كتاب الرأي

أي مصلحة يدافع عنها رافضو تسقيف أسعار المحروقات وإنقاذ “سامير”؟

بقلم مراقب سياسي 18 يونيو، 2026 00:07
أي مصلحة يدافع عنها رافضو تسقيف أسعار المحروقات وإنقاذ “سامير”؟
أي مصلحة يدافع عنها رافضو تسقيف أسعار المحروقات وإنقاذ “سامير”؟
مراقب سياسي

يصعب على أي متابع للشأن العام في المغرب أن يجد تفسيرا مقنعا لذلك الإصرار العجيب الذي تبديه مكونات الأغلبية الحكومية كلما تعلق الأمر بإجراء من شأنه أن يخفف الأعباء عن المواطنين أو يعيد للدولة بعضا من أدوارها الاستراتيجية في حماية الاقتصاد الوطني. فقرار مجلس المستشارين برفض مقترحي القانون المتعلقين بتسقيف أسعار المحروقات وتفويت أصول شركة “سامير” لفائدة الدولة لم يكن مجرد تصويت عابر داخل مؤسسة تشريعية، بل كان موقفا سياسيا واضحا، ورسالة لا تخطئها العين، مفادها أن هناك من يفضل الإبقاء على الوضع القائم مهما كانت كلفته الاجتماعية والاقتصادية، ومهما كانت انعكاساته على جيوب المواطنين وعلى مستقبل الأمن الطاقي للمملكة.

ولعل أكثر ما يثير الاستغراب في هذا الملف ليس الرفض في حد ذاته، لأن الاختلاف السياسي مشروع، والتباين في الرؤى الاقتصادية أمر طبيعي في كل الديمقراطيات، وإنما ما يثير الحيرة حقا هو ذلك الاصطفاف الجماعي للأغلبية في مواجهة مقترحين يبدوان، على الأقل من حيث المبدأ، قريبين من هموم المواطنين ومن تطلعاتهم. فهل أصبح الدفاع عن القدرة الشرائية للمغاربة موقفا يستوجب الرفض؟ وهل أضحى التفكير في استعادة منشأة صناعية استراتيجية مثل “سامير” ضربا من ضروب المغامرة التي ينبغي إجهاضها قبل أن ترى النور؟

المواطن البسيط الذي لا يملك معطيات الخبراء ولا لغة الاقتصاديين المعقدة، ينظر إلى المسألة بمنطق بسيط وواضح.

فهو يرى أن أسعار المحروقات ترتفع بشكل متواصل، وأن كل زيادة في سعر الوقود تنعكس مباشرة على أسعار النقل والخضر والفواكه والمواد الغذائية والخدمات. ويرى أيضا أن أرباح بعض شركات المحروقات تثير الجدل منذ سنوات، وأن الحديث عن المنافسة الحرة لم ينجح في إقناعه بأن السوق تعمل وفق قواعد عادلة ومتوازنة. ثم يسمع أن هناك مقترحا لتسقيف الأسعار، فيتعلق بالأمل، قبل أن يفاجأ بأن الأغلبية ترفضه دون أن تقدم جوابا شافيا عن السؤال الأساسي.. ما هو البديل؟

السياسة ليست مجرد فن للرفض. والسياسي الحقيقي لا يكتفي بإسقاط المقترحات التي لا تعجبه، بل يقدم بدائل ويشرح للناس لماذا يعتقد أن خياره أفضل. أما أن يتم رفض كل ما يتعلق بتنظيم سوق المحروقات، دون أن يلمس المواطن أثرا فعليا لإجراءات تحميه من تقلبات الأسعار، فإن ذلك لا يؤدي إلا إلى تعميق الشكوك وإثارة التساؤلات.

أي مصلحة يدافع عنها هؤلاء؟

سؤال مشروع، بل وضروري. فإذا كانت المصلحة العامة تقتضي الإبقاء على الأسعار دون سقف، فمن حق المواطنين أن يعرفوا كيف تخدم هذه السياسة مصالحهم. وإذا كانت المصلحة الوطنية تقتضي ترك “سامير” خارج دائرة الاهتمام العمومي، فمن حق المغاربة أن يعرفوا ما هي الرؤية الاستراتيجية البديلة التي تمتلكها الحكومة لضمان الأمن الطاقي للبلاد.

أما الاكتفاء بالرفض، ثم مطالبة الناس بالصمت أو التسليم بصواب القرار، فهو أمر لم يعد مقبولا في زمن أصبحت فيه المعلومة متاحة، وأصبح المواطن أكثر وعيا بحقوقه وأكثر إصرارا على مساءلة من يتخذ القرار باسمه.

لقد تحولت قضية المحروقات في المغرب إلى ملف سياسي وأخلاقي بامتياز. فالمغاربة يتذكرون جيدا الوعود التي صاحبت تحرير أسعار المحروقات، حين قيل إن المنافسة ستؤدي إلى خفض الأسعار، وإن المستهلك سيكون المستفيد الأول من هذا الإصلاح. غير أن السنوات مرت، ولم يشعر المواطن بأن جيبه أصبح أكثر أمانا، بل على العكس من ذلك، أصبح كل ارتفاع في أسعار النفط العالمية مناسبة جديدة لزيادة الأعباء، بينما لا ينعكس انخفاض الأسعار الدولية دائما بالوتيرة نفسها على السوق المحلية.

وهنا تبرز المفارقة الكبرى.

إذا كانت المنافسة الحرة قد حققت أهدافها، فلماذا يستمر الجدل حول الأرباح المرتفعة لبعض الشركات؟ وإذا كانت السوق تعمل بشكل طبيعي، فلماذا يشعر المواطن بأن الأسعار ترتفع بسرعة لكنها تتراجع ببطء شديد؟ وإذا كانت الحكومة تعتبر أن التدخل لتسقيف الأسعار غير مناسب، فلماذا لا تقنع الرأي العام بالأرقام والدراسات والحجج الاقتصادية الواضحة؟

إن الصمت في مثل هذه القضايا لا يبدد الشكوك، بل يغذيها. وكلما غابت التفسيرات المقنعة، اتسعت دائرة الأسئلة.

ولعل السؤال الأكثر إلحاحا اليوم هو، لماذا يبدو أن كل المقترحات التي تمس هذا القطاع تواجه جدارا صلبا من الرفض؟ هل الأمر مجرد قناعة اقتصادية؟ أم أن هناك تخوفا من المساس بتوازنات معينة؟ أم أن المصالح المتشابكة أصبحت أقوى من الجرأة السياسية المطلوبة لاتخاذ قرارات تنحاز إلى المواطن؟

لا أحد يملك جوابا نهائيا عن هذه الأسئلة، لكن مجرد طرحها أصبح ضرورة وطنية، لأن استمرار الغموض لا يخدم الثقة في المؤسسات ولا يعزز الشعور بالإنصاف.

أما ملف “سامير”، فهو جرح مفتوح في الذاكرة الاقتصادية المغربية.

فقد كانت هذه الشركة لعقود إحدى الركائز الأساسية للسيادة الطاقية الوطنية، ووفرت آلاف مناصب الشغل المباشرة وغير المباشرة، وشكلت صمام أمان في مواجهة تقلبات الأسواق الدولية. وحين توقفت عن العمل، لم يكن الأمر مجرد تعثر شركة خاصة، بل كان حدثا استراتيجيا ترك آثارا عميقة على الاقتصاد الوطني.

واليوم، وبعد سنوات من الجدل، كان من الطبيعي أن يطرح سؤال استعادة الدولة لأصول الشركة للنقاش.

قد يختلف الناس حول الطريقة، وقد تتباين الآراء بشأن الكلفة والجدوى، لكن ما لا يمكن فهمه هو أن يتم إغلاق باب النقاش بهذه السهولة، وكأن الأمر يتعلق بتفصيل صغير لا أهمية له.

وأي دولة في العالم تسعى إلى تعزيز أمنها الطاقي تفكر باستمرار في كيفية تقوية قدراتها الذاتية، لا في كيفية تقليصها. وأي حكومة تضع المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار، تدرك أن بعض القطاعات ليست مجرد مشاريع تجارية، بل هي رهانات سيادية واستراتيجية.

فلماذا يبدو أن هذا المنطق لا يجد صداه داخل الأغلبية الحكومية؟ ولماذا يشعر كثير من المغاربة بأن الحكومة انسحبت تدريجيا من أدوارها الحمائية والتنظيمية، تاركة المواطن في مواجهة السوق وحده؟

هذه الأسئلة لا ينبغي أن تزعج أحدا. بل إن تجاهلها هو ما ينبغي أن يثير القلق.

وما يزيد من حدة الاستغراب هو أن الأحزاب التي تشكل الأغلبية اليوم لم تصل إلى السلطة عبر برنامج يدافع عن ارتفاع الأسعار أو يبرر تقليص دور الدولة في القطاعات الحيوية. على العكس تماما، فقد قدمت نفسها باعتبارها حاملة لمشروع اجتماعي يضع المواطن في قلب السياسات العمومية.

أين هو هذا المشروع اليوم؟ وأين هي الوعود المتعلقة بتحسين القدرة الشرائية؟ أين هي الشعارات التي رفعت خلال الحملات الانتخابية؟ هل كانت مجرد عبارات جميلة لاستمالة الناخبين، أم أنها كانت بالفعل قناعات سياسية تراجعت أمام حسابات أخرى؟

المواطن المغربي ليس ساذجا. وهو يدرك أن تدبير الدولة ليس بالأمر السهل، وأن القرارات الاقتصادية تخضع لاعتبارات معقدة، لكنه يدرك أيضا أن هناك فارقا كبيرا بين الصعوبة وبين التخلي عن المسؤولية.

فحين يشعر بأن صوته لا يجد صداه، وأن مصالحه ليست أولوية، فإنه يبدأ تدريجيا في فقدان الثقة. وهذه أخطر خسارة يمكن أن تتعرض لها أي تجربة سياسية.

الثقة لا تفرض بالقوانين، ولا تشترى بالشعارات، وإنما تبنى بالقرارات التي يشعر المواطن بأنها تنحاز إليه.

أما حين تتكرر المواقف التي تبدو، في نظر قطاع واسع من الناس، منحازة إلى منطق السوق وحده، فإن السؤال يصبح مشروعا، هل ما زالت السياسة تؤدي وظيفتها الأصلية في حماية التوازن بين المصالح المختلفة، أم أنها تحولت إلى مجرد آلية لتبرير الأمر الواقع؟

قد يعتبر البعض هذه الأسئلة قاسية. وقد يراها آخرون مبالغة. لكن القسوة الحقيقية ليست في طرح الأسئلة، بل في تجاهل معاناة الناس. والمبالغة ليست في انتقاد القرارات، بل في مطالبة المواطنين بالتصفيق لها مهما كانت آثارها.

الوطن أكبر من الأحزاب، وأكبر من الحكومات، وأكبر من الحسابات الانتخابية الضيقة.

والوطن لا يقاس فقط بمعدلات النمو والأرقام الرسمية، بل يقاس أيضا بمدى شعور مواطنيه بالإنصاف، وبمدى اقتناعهم بأن من يحكمهم يعمل من أجلهم لا من أجل غيرهم.

ومن هنا فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغل الجميع اليوم ليس لماذا انتقدت المعارضة هذا القرار أو ذاك، وإنما لماذا أصبح جزء مهم من الرأي العام يشعر بأن مصالحه لا تجد من يدافع عنها بالقدر الكافي داخل المؤسسات المنتخبة.

لماذا هذا الإصرار على رفض كل ما يمكن أن يخفف الأعباء عن المواطنين؟ ولماذا يبدو أن بعض الملفات الحساسة محاطة بأسوار من الرفض يصعب اختراقها؟ وهل يتعلق الأمر بقناعات اقتصادية صرفة، أم أن هناك اعتبارات أخرى لا تزال بعيدة عن النقاش العمومي؟

أسئلة مفتوحة. وقد تختلف الإجابات عنها. لكن المؤكد أن استمرار تجاهلها لن يؤدي إلا إلى مزيد من الشك. ومزيد من التباعد بين المواطن والمؤسسة. ومزيد من الإحساس بأن السياسة فقدت شيئا من روحها ورسالتها.

وإذا كانت الأغلبية مقتنعة حقا بأن قراراتها تخدم الوطن. فإن أفضل وسيلة لإثبات ذلك ليست هي التصويت العددي ولا الانتصار الإجرائي داخل المؤسسات. بل هي القدرة على إقناع الناس، وتقديم البدائل، وشرح الخيارات بشفافية ووضوح.

أما أن يظل المواطن يتساءل، سنة بعد أخرى، عن سبب هذا الإصرار الغريب على رفض كل ما يعتقد أنه يخدم مصلحته. فذلك مؤشر لا ينبغي الاستهانة به.

لأن الأوطان لا تضعف حين يختلف أبناؤها حول السياسات. وإنما تضعف حين يشعر الناس بأن الأسئلة الكبرى أصبحت بلا أجوبة. وأن المصلحة العامة لم تعد البوصلة الوحيدة التي توجه القرار السياسي.

وعندها فقط، يصبح السؤال المؤلم مشروعا، إذا لم تكن مصلحة المواطن هي المعيار الأول. وإذا لم تكن مصلحة الوطن فوق كل اعتبار، فأي مصلحة أخرى تستحق كل هذا الدفاع وكل هذا الإصرار؟

أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :‫‫عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.