شهدت أسعار الذهب، اليوم الخميس، تراجعا ملحوظا بعد سلسلة مكاسب قياسية امتدت لثلاث جلسات متتالية. في حركة تعكس تحولا مؤقتا في سلوك المستثمرين الذين فضلوا جني الأرباح، بالتوازي مع تراجع الطلب على المعدن النفيس كملاذ آمن في أعقاب تصريحات سياسية أثارت جدلا واسعا في الأسواق. فقد انخفض الذهب في المعاملات الفورية بنسبة 0,6 في المائة ليستقر عند حدود 4594.66 دولار للأوقية. بعد أن كان قد لامس في الجلسة السابقة مستوى قياسيًا بلغ 4642.72 دولار. كما تراجعت العقود الأمريكية الآجلة للذهب تسليم فبراير بنسبة 0,8 في المائة إلى 4599.50 دولار. ما يؤشر على بداية تصحيح سعري بعد موجة صعود قوية.
جني الأرباح… سلوك طبيعي بعد مكاسب استثنائية
ويجمع محللون على أن التراجع الحالي لا يعكس بالضرورة انقلابا في الاتجاه العام لأسعار الذهب. بقدر ما يمثل حركة تصحيح طبيعية بعد صعود سريع ومكثف. فالأسواق، بعد تسجيل مستويات تاريخية، غالبا ما تشهد موجات بيع تقنية يلجأ خلالها المستثمرون إلى تثبيت أرباحهم. خاصة في ظل حالة عدم اليقين التي تطبع المشهد الاقتصادي العالمي.
تصريحات ترامب تقلّص الطلب على الملاذ الآمن
ولعبت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي دورا مهما في تهدئة المخاوف مؤقتا حول مستقبل السياسة النقدية الأمريكية. هذه التصريحات قلصت، ولو نسبيا، القلق المتعلق باستقلالية البنك المركزي. وهو ما انعكس مباشرة على تراجع الطلب على الذهب باعتباره أحد أبرز أصول التحوط في فترات التوتر وعدم الاستقرار. ومع ذلك، يشير خبراء إلى أن هذه التهدئة تبقى هشة، إذ إن أي تصعيد سياسي أو تشكيك جديد في استقلالية الاحتياطي الفيدرالي قد يعيد الزخم سريعًا إلى الذهب.
الأنظار تتجه إلى سوق العمل الأمريكي
ويتحول تركيز المستثمرين اليوم إلى بيانات طلبات إعانة البطالة الأمريكية للأسبوع الأول من يناير. باعتبارها مؤشرا مهما على متانة سوق العمل. وستكون لهذه البيانات أهمية خاصة في رسم ملامح السياسة النقدية المقبلة. لا سيما فيما يتعلق بتوجهات أسعار الفائدة. ومن المعروف أن الذهب، الذي لا يدر عائدا، يستفيد عادة من بيئات أسعار الفائدة المنخفضة. كما يكتسب جاذبية أكبر في فترات الضبابية الجيوسياسية والاقتصادية، وهو ما يفسر تمسكه بمستويات مرتفعة رغم التراجع الحالي.
المعادن النفيسة الأخرى تتكبد خسائر أكبر
وشهدت بقية المعادن النفيسة موجة تصحيح أكثر حدّة. فقد هوت الفضة بنسبة 5,3 في المائة إلى 87.88 دولار للأوقية. بعد أن كانت قد سجلت في وقت سابق من الجلسة أعلى مستوى في تاريخها عند 93.57 دولار، في تراجع يعكس هشاشة المكاسب السريعة أمام موجات البيع المكثفة. كما انخفض البلاتين بنسبة 4 في المائة إلى 2288.05 دولار للأوقية، بعد أن لامس ذروة قياسية عند 2478.50 دولار في نهاية دجنبر الماضي، ما يؤكد أن موجة جني الأرباح شملت مجمل سوق المعادن النفيسة، وليس الذهب فقط.
تصحيح مرحلي أم بداية انعطاف؟
ويرى محللون أن الاتجاه العام للذهب لا يزال مدعومًا بعوامل هيكلية قوية، في مقدمتها التوترات الجيوسياسية، وتزايد الشكوك حول الأصول التقليدية، ومستقبل السياسة النقدية العالمية. وبالتالي، فإن ما تشهده الأسواق حاليًا قد لا يعدو كونه استراحة مؤقتة في مسار صعودي أوسع. وفي المحصلة، يظل الذهب في قلب معادلة معقدة تجمع بين السياسة والاقتصاد وسلوك المستثمرين، ما يجعل تحركاته المقبلة رهينة بتوازن دقيق بين البيانات الاقتصادية والتصريحات السياسية ومستوى المخاطر العالمية.






