لم يكن أكثر ما شد الانتباه في بلاغ المجلس الحكومي المنعقد يوم الخميس فاتح رمضان 1447 الموافق لـ19 فبراير 2026. هو المصادقة على مشروع القانون رقم 09.26. بقدر ما كان ذلك السطر القصير، المقتضب، الذي أعلن سحب مشروع المرسوم بقانون رقم 2.26.135. القاضي بإحداث لجنة خاصة لتسيير قطاع الصحافة والنشر.
في السياسة كما في التشريع، أحيانا تختبئ الرسائل الكبرى داخل عبارات تقنية تبدو عابرة. غير أن هذا “السحب” لم يكن مجرد إجراء شكلي، بل مثل انعطافة صامتة في تدبير ملف حساس ظل مثار جدل خلال الأسابيع الماضية.
فإحداث لجنة خاصة لتسيير القطاع كان سيعني، عمليا، الانتقال من منطق التنظيم الذاتي إلى منطق التدبير الانتقالي ذي الطابع الإداري. خطوة كهذه كانت ستفتح الباب أمام قراءات متعددة. بعضها كان سيذهب بعيدا في طرح أسئلة حول طبيعة المرحلة وحدود تدخل السلطة التنفيذية في مجال يفترض أن يدار من داخل البيت المهني نفسه.
لذلك، فإن التراجع عن هذا المسار، في اللحظة الأخيرة، يعكس تفضيلا واضحا للحل التشريعي الدائم بدل المعالجات الظرفية.
دلالات الاختيار
هذا الاختيار يحمل دلالتين متلازمتين: الأولى أن الحكومة اختارت تحصين تدخلها عبر بوابة القانون، بما يضمن الشرعية الدستورية والمؤسساتية. والثانية أن ملف المجلس الوطني للصحافة لن يدار من خلال لجنة مؤقتة، بل عبر إعادة هندسة الإطار القانوني للمؤسسة نفسها. وبمعنى آخر، بدل تعليق الوضع على “حل انتقالي”، تم اللجوء إلى إعادة بناء السقف القانوني الذي سيؤطر المرحلة المقبلة.
وصادق مجلس الحكومة، في هذا السياق، على مشروع القانون رقم 09.26 المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة. في خطوة تعيد هذا الملف إلى صدارة النقاش العمومي المهني والسياسي، بعدما ظل طيلة الأشهر الماضية موضوع جدل واسع داخل الأوساط الإعلامية والحقوقية.
ويأتي هذا المشروع، وفق البلاغ الرسمي لاجتماع المجلس، استجابة لاعتبارات دستورية ومؤسساتية دقيقة. وانسجاما مع التوجيهات المرتبطة بحرية التعبير والتنظيم الذاتي للمهن. لا سيما الفصول 25 و27 و28 من الدستور. إلى جانب الوعي بضرورة تأمين استمرارية المجلس في أداء مهامه الأساسية المتعلقة بالتنظيم الذاتي والارتقاء بأخلاقيات المهنة في إطار ديمقراطي ومستقل.
غير أن أهمية هذا النص لا تكمن فقط في طابعه التنظيمي، بل أيضا في السياق الذي ولد فيه. فالبلاغ الحكومي أوضح أن مشروع القانون يهدف أساسا إلى ترتيب الأثر القانوني لقرار المحكمة الدستورية رقم 26/261 الصادر بتاريخ 22 يناير 2026. وهو ما يعني أن إعادة التنظيم لم تأت من فراغ، بل جاءت نتيجة مسار قانوني وقضائي فرض إعادة النظر في الصيغة السابقة.
بين الدسترة والتنزيل: الرهان على التنظيم الذاتي
ويندرج المجلس الوطني للصحافة، من حيث المبدأ، ضمن فلسفة دستورية متقدمة تقوم على تمكين المهن من آليات التنظيم الذاتي. بما يكرس استقلاليتها ويجنبها تدخل الإدارة المباشر في تدبير شؤونها المهنية والأخلاقية. ومن هذا المنطلق، فإن أي تعديل يمس بنية المجلس أو طرق اشتغاله يطرح سؤالين مركزيين: كيف يمكن ضمان الاستمرارية دون المساس بالاستقلالية؟ وكيف يمكن تصحيح الاختلالات القانونية دون إضعاف روح التنظيم الذاتي؟
البلاغ الحكومي تحدث صراحة عن “وعي بالحاجة إلى تأمين استمرارية المجلس في مهمته المتمثلة في التنظيم الذاتي للمهنة والرقي بأخلاقياتها وتحصين القطاع بكيفية ديمقراطية ومستقلة”. وهي صيغة تحمل في طياتها اعترافا ضمنيا بأن المرحلة السابقة شهدت تعثرات أو فراغا مؤسساتيا كان لا بد من تداركه عبر مدخل تشريعي واضح.
غير أن الرهان اليوم لا يتعلق فقط بإعادة هندسة النص القانوني، بل بمدى قدرة هذا النص على استعادة ثقة الفاعلين المهنيين في المؤسسة. خاصة في ظل نقاشات سابقة حول طرق الانتخاب والتمثيلية وآليات التأديب وسلطات المجلس في منح البطاقة المهنية أو سحبها.
القرار الدستوري: لحظة مفصلية
ولا يمكن قراءة مشروع القانون 09.26 بمعزل عن قرار المحكمة الدستورية المشار إليه في البلاغ. فالقرارات الصادرة عن أعلى هيئة دستورية في البلاد لا تقتصر على تصحيح مقتضى قانوني معين. بل تعيد توجيه النقاش برمته نحو ضرورة احترام مبدأ المشروعية الدستورية في كل ما يرتبط بالبنيات التنظيمية الحساسة.
وإذا كان المشروع الحالي يهدف إلى “ترتيب الأثر القانوني” لهذا القرار. فإن ذلك يعني عمليا تصفية كل الآثار التي قد تكون ترتبت عن مقتضيات ثبت عدم دستوريتها أو عدم انسجامها مع روح الوثيقة الدستورية. وهنا يظهر تحد مزدوج: فمن جهة، ضرورة الإسراع بإخراج نص قانوني يضع حدا لأي فراغ مؤسساتي محتمل. كما أن هناك إكراه ضمان نقاش عمومي ومهني كاف حول تفاصيله قبل المصادقة النهائية عليه.
أي نموذج للمجلس في الصيغة الجديدة؟</strong>
السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل ستقتصر إعادة التنظيم على تصحيح جوانب شكلية فرضها القرار الدستوري. أم أننا أمام تصور جديد لدور المجلس وصلاحياته وتمثيليته؟
من الناحية النظرية، يمكن أن تشكل هذه اللحظة فرصة لإعادة التفكير في عدد من القضايا التي ظلت مثار نقاش داخل الجسم الصحافي، من قبيل:
- معايير تمثيلية الناشرين والصحافيين؛
- آليات الانتخاب وضمان الشفافية؛
- حدود السلطة التأديبية وعلاقتها بالقضاء؛
- كيفية تدبير البطاقة المهنية؛
- تمويل المجلس وضمان استقلاليته المالية.
لكن في المقابل، قد يختار المشرع الاقتصار على الحد الأدنى الكفيل بتسوية الوضع القانوني دون فتح أوراش كبرى. تجنبا لإطالة أمد النقاش أو تعقيد المسطرة التشريعية.
بين الإصلاح المؤسسي وتحديات الواقع الإعلامي
وتأتي إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة في ظرف يعرف تحولات عميقة في المشهد الإعلامي. سواء على مستوى الانتقال الرقمي، أو تعدد المنصات. أو تنامي تأثير وسائل التواصل الاجتماعي، أو بروز فاعلين جدد خارج الأطر التقليدية.
ومن هنا، فإن تقوية المجلس لا ينبغي أن تفهم فقط كإصلاح إداري أو قانوني. بل كجزء من استراتيجية أوسع لتحصين المهنة أمام تحديات الأخبار الزائفة. والانفلات الأخلاقي، وتداخل الإشهار بالمحتوى التحريري، وضعف النماذج الاقتصادية للمقاولات الإعلامية.
وأي مجلس وطني للصحافة، مهما كان محكما من الناحية القانونية، يظل رهينا بمدى انخراط المهنيين أنفسهم في احترام قواعد الأخلاقيات. وبمدى قدرته على لعب دور الوسيط بين حرية التعبير والمسؤولية المجتمعية.












