كشف القنصل العام لفرنسا بالرباط، أوليفييه رمادور، عن معطى لافت يؤكد استمرار قوة الروابط بين المغرب وفرنسا، بعدما حل المواطنون المغاربة في المرتبة الثانية عالميا ضمن أكثر الجنسيات استفادة من تأشيرات “شنغن” الفرنسية خلال عام 2025، وهو مؤشر يحمل في طياته أبعادا اقتصادية واجتماعية وسياسية جديرة بالتحليل، بالنظر إلى السياق العام الذي طبع العلاقات الثنائية خلال السنوات الأخيرة.
ارتفاع الطلب واستمرار الجاذبية الفرنسية
ويبرز هذا المعطى أن فرنسا ما زالت تشكل وجهة مركزية للمغاربة، سواء لأسباب عائلية أو تعليمية أو اقتصادية، وهو ما يعكس استمرار الروابط التاريخية والثقافية بين البلدين. وعلى الرغم من التوترات السياسية التي شابت العلاقات المغربية–الفرنسية في الفترات السابقة، فإن الطلب على التأشيرة لم يتأثر بشكل جذري، مما يكشف أن الروابط القائمة بين المجتمعين أكبر من أن تتأثر بتحولات ظرفية.
ويشمل هذا الطلب المتزايد فئات واسعة من المجتمع، بدءا من الطلبة الباحثين عن التعليم العالي، مرورا برجال الأعمال والمهنيين الذين تربطهم مصالح تجارية بفرنسا، وصولا إلى العائلات التي تجمعها روابط قرابة قوية عبر ضفتي المتوسط. ويعكس هذا الإقبال ثقة المغاربة في الانفتاح الأوروبي عبر البوابة الفرنسية.
دلالات ترتيب المغرب عالميا
وتكتسي هذه المرتبة رمزية خاصة، إذ تظهر أن المغرب يحتل موقعا متقدما ضمن الدول الأكثر ارتباطا بفرنسا من حيث التنقل، وتظهر حجم التبادل البشري المستمر بين البلدين. وتعد هذه المكانة مؤشرا على استمرار حضور الجالية المغربية الكبيرة في فرنسا ودورها في تعزيز حركة الزيارات، وقوة العلاقات الاقتصادية، خاصة أن فرنسا تعد شريكا تجاريا رئيسيا للمغرب، وارتفاع معدلات السفر لأغراض متعددة تشمل السياحة والدراسة والعلاج والعمل. وهذا الارتفاع يؤكد أن المغرب ليس فقط بلدا مرتبطا تاريخيا بفرنسا، بل يشكل رافدا بشريا واقتصاديا مهما في مسار الحركة نحو أوروبا.
التأثيرات الاقتصادية لحركة التأشيرات
ويكشف هذا المعطى عن ارتباط وثيق بالجانب الاقتصادي، سواء بالنسبة لفرنسا أو للمغرب. فمن الجانب الفرنسي، يشكل تزايد طلبات التأشيرة مصدرا مهما للمداخيل القنصلية. كما يعزز الاقتصاد السياحي والخدماتي بمجرد دخول آلاف الزوار المغاربة سنويا. أما من الجانب المغربي، فإن سهولة التنقل نحو فرنسا تشجع على تنشيط المبادلات التجارية، ودعم مشاريع العبور الاقتصادي والاستثماري، وتعزيز حضور الطلبة المغاربة في الجامعات الفرنسية، التي تعد الوجهة الأولى لهم تقليديا. وبالتالي يساهم استمرار تدفق التأشيرات في تكريس حركة اقتصادية متبادلة تتجاوز حدود التنقل الفردي لتلامس مستويات أعمق من الشراكة.
سياق سياسي معقد: هل تجاوزت التأشيرة الخلافات؟
وجاء هذا الإعلان في سياق سياسي تميز بتوترات واضحة في العلاقات الثنائية بين الرباط وباريس. خاصة خلال 2022 و2023، على خلفية قضايا الهجرة والتعاون الأمني وملف تأشيرات شنغن الذي شهد آنذاك تشديدا غير مسبوق. غير أن احتلال المغاربة المرتبة الثانية في 2025 يكشف عن تحول في السياسة الفرنسية تجاه المغرب، أو على الأقل عن تراجع أثر الأزمة السابقة على مستوى الإجراءات القنصلية، مما يشي برغبة في إعادة الدفء إلى العلاقات وتسهيل حركة الأشخاص، باعتبارها إحدى أبرز النقاط الحساسة في ارتباط البلدين. كما يشير هذا المعطى إلى أن المغرب يستعيد موقعه الطبيعي كشريك أساسي لفرنسا. وأن الأخيرة تدرك حجم التأثير الاستراتيجي لحسن تدبير ملف التأشيرات في تعزيز حضورها في المنطقة المغاربية وإفريقيا.
تأثير الجالية المغربية في فرنسا كعامل رئيسي
ويعود جزء كبير من الطلب المتزايد على تأشيرات شنغن إلى وجود جالية مغربية ضخمة تقارب ثلاثة ملايين شخص، بين حملة الجنسية المغربية والمغاربة ذوي الأصول المغربية. وتولد هذه الجالية حركة مستمرة من الزيارات العائلية طوال السنة. وتعد هذه الجالية عامل توازن اقتصادي وثقافي بين البلدين، حيث تساهم في تحويلات مالية مهمة نحو المغرب. واستقطاب الطلبة الجدد والمستثمرين الصاعدين. وتعزيز العلاقات الأسرية والاجتماعية التي تنعكس على حجم طلبات التأشيرة. لذلك فإن استقرار العلاقات القنصلية يشكل ضرورة لتعزيز الروابط العائلية والاجتماعية الممتدة عبر الأجيال.
الطلبة المغاربة: كتلة قوية في التأشيرات التعليمية
ويمثل الطلبة المغاربة إحدى الفئات الأكثر طلبا لتأشيرات فرنسا، إذ تستقبل الجامعات والمعاهد العليا الفرنسية سنويا عشرات الآلاف منهم، ما يجعل المغرب من أكبر مصدري الطلبة نحو فرنسا. وتوفر فرنسا لهم: جودة تعليم عالية، وانفتاحا على السوق الأوروبية، وشبكات مهنية واسعة. ويساهم هؤلاء الطلبة عند عودتهم للمغرب في نقل الخبرة والمعرفة. مما يجعل التأشيرة التعليمية عنصرا أساسيا في التنمية البشرية وتعزيز الكفاءات الوطنية.
انعكاسات تصدر المغاربة لقائمة المستفيدين
ويطرح هذا الترتيب العالمي عدة استنتاجات، من أبرزها: قوة الروابط المغربية–الفرنسية رغم أي خلافات سياسية. واعتماد فرنسا القوي على الفضاء المغربي اقتصاديا وبشريا، وبروز المغرب كبلد متصل بالفضاء الأوروبي أكثر من أي وقت مضى. كما يشير ذلك إلى أن المغرب يشكل أحد أهم منافذ فرنسا نحو إفريقيا. وأن الحركة البشرية بين البلدين ليست حدثا عابرا بل بنية راسخة في العلاقات الثنائية.
توقعات المستقبل: إلى أين تتجه سياسة تأشيرات شنغن؟
وتظهر المؤشرات أن سياسة التأشيرات الفرنسية تتجه نحو مرحلة أكثر مرونة تجاه المغرب، بالنظر إلى: مؤشرات التقارب السياسي والدبلوماسي بين البلدين، والدور المركزي للجالية المغربية، وإعادة تقييم فرنسا لسياساتها تجاه دول الجنوب المتوسطي. ومن المرجح أن يعرف عام 2025 مزيدا من التسهيلات في الإجراءت الإدارية. خصوصا مع توجه باريس إلى تعزيز حضورها الاقتصادي في المغرب ومواكبة التحولات الجيوسياسية في المنطقة.
ويكشف احتلال المغاربة المرتبة الثانية عالميا في الحصول على تأشيرات شنغن خلال 2025 عن علاقة بنيوية بين المغرب وفرنسا، تتجاوز السياسة الظرفية نحو شبكة معقدة من الروابط الاقتصادية والاجتماعية والأسرية. كما يعكس قوة الطلب المغربي على التنقل الخارجي، ويظهر أن فرنسا ما تزال وجهة مفضلة للمغاربة، رغم تقلبات العلاقات الثنائية. في ضوء ذلك، يبدو أن ملف التأشيرات سيظل محددًا أساسيا في مستقبل العلاقات بين البلدين. وأن المغرب سيواصل لعب دور محوري في حركة التنقل نحو أوروبا. بما يحمله ذلك من تحديات وفرص للطرفين معا.