يسجل الاقتصاد المغربي، خلال السنوات الأخيرة، مؤشرات ونسب نمو توصف رسميًا بـ«الإيجابية». سواء على مستوى الناتج الداخلي الخام، أو من حيث جذب الاستثمارات. أو حتى عبر الأرقام القياسية التي حققها قطاع السياحة. غير أن هذه المؤشرات، وعلى الرغم من أهميتها، لا تعكس بالضرورة تحسنًا ملموسًا في الحياة اليومية لفئات واسعة من المغاربة. وهو ما يطرح بإلحاح سؤال العدالة الاقتصادية وشمولية النمو.
وللإشارة، فإن الخطاب الاقتصادي الرسمي يركز بشكل واضح على نسب النمو والاستقرار المالي والتحكم في العجز. وهي معطيات لا يمكن إنكارها. خاصة في سياق إقليمي ودولي يتسم بالاضطراب. غير أن هذا التركيز، في المقابل، يغفل أحيانًا جانبا أساسيا يتمثل في توزيع ثمار هذا النمو. وفي مدى وصوله إلى الفئات الهشة والمتوسطة، خصوصًا الشباب.
إلى ذلك، تظهر المعطيات الاجتماعية أن البطالة، لا سيما في صفوف الشباب وحاملي الشهادات، ما تزال مرتفعة. وأن سوق الشغل يعاني من اختلالات بنيوية عميقة. فبينما تنمو قطاعات محددة مثل السياحة، وصناعة السيارات، والطاقات المتجددة. يبدو أن قدرتها على خلق فرص شغل قارة وكافية تظل محدودة، أو على الأقل غير متناسبة مع حجم الطلب الاجتماعي.
وأن يسجل نمو اقتصادي دون أن يواكبه تحسن واضح في الخدمات العمومية، خاصة الصحة والتعليم، يخلق فجوة متزايدة بين الأرقام الماكرو-اقتصادية وواقع المواطنين. فالمستشفيات العمومية ما تزال تعاني من الاكتظاظ ونقص الموارد البشرية. والمدرسة العمومية تواجه تحديات الجودة والهدر المدرسي. وهو ما يغذي شعورًا عامًا بأن النمو لا يترجم إلى كرامة اجتماعية.
من الأرقام إلى الشارع
ويبدو أن هذه المفارقة هي أحد المفاتيح الأساسية لفهم عودة الاحتقان الاجتماعي في فترات متقاربة. سواء عبر احتجاجات شبابية، أو عبر تصاعد خطاب الغضب على منصات التواصل الاجتماعي. فالشباب، على وجه الخصوص، لا يقيس نجاح السياسات الاقتصادية بنسبة النمو فقط. بل بمدى قدرتها على ضمان الشغل، والعدالة، وتكافؤ الفرص.
إلى ذلك، فإن اعتماد النمو على قطاعات موسمية أو موجهة للخارج يجعل الاقتصاد عرضة للتقلبات، ويحد من أثره الداخلي. فالسياحة، رغم أهميتها، تبقى مرتبطة بعوامل خارجية، في حين أن الاستثمار في الرأسمال البشري والخدمات الاجتماعية هو الكفيل بإنتاج نمو أكثر استدامة وشمولًا.
وللإشارة أيضًا، فإن مشروع قانون المالية الأخير حاول، من حيث المبدأ، الاستجابة لبعض هذه الاختلالات عبر رفع مخصصات الصحة والتعليم، غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في حجم الميزانيات، بل في نجاعة صرفها، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وضمان وصول أثرها إلى المواطن البسيط.
وعليه، يمكن القول إن المغرب يحقق نموًا اقتصاديًا قويًا نسبيًا، لكنه نمو غير شامل، لا يزال عاجزًا عن تقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية. وهو ما يجعل الرهان الحقيقي في المرحلة المقبلة ليس فقط رفع نسب النمو، بل تحويله إلى نمو عادل، يشعر به المواطن في الشغل، وفي المدرسة، وفي المستشفى، وفي قدرته على العيش بكرامة






