بقلم: ادريس بوداش
بينما تتحدث واشنطن عن “سلام يقترب”، كانت الصواريخ الروسية تتساقط على كييف، في مشهد يلخص التناقض الصارخ بين الخطاب السياسي وواقع الحرب. فخطة السلام التي يروج لها دونالد ترامب لا تأتي محمولة على ضمانات واضحة بقدر ما تُطرح كمعادلة باردة: وقف القتال مقابل تثبيت الأمر الواقع. وهنا تحديدًا يطرح السؤال المقلق نفسه: هل تمثل هذه الخطة مخرجًا حقيقيًا من الحرب، أم أنها مجرد غطاء سياسي لبيع تنازلات إقليمية تحت شعار الواقعية؟
في هذا السياق المشحون، تبدو أوكرانيا عالقة بين ضغط السلاح الروسي وحسابات المصالح الأميركية، فيما يُعاد تعريف مفهوم السلام لا كإنهاء للصراع، بل كإدارة ذكية لخسائره.
في كل مرة يلوح فيها أفق تسوية للحرب الروسية–الأوكرانية، يعود السؤال الجوهري ليطرح نفسه بإلحاح: هل يتعلق الأمر فعلًا بسلام مستدام، أم بمجرد إعادة ترتيب لمشهد الصراع؟ هذا السؤال يفرض حضوره بقوة مع التصريحات الأخيرة للرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي تحدث عن خطة سلام “اقتربت من الإنجاز”، في وقت لا تزال فيه المدافع تدوي، والخلافات الجوهرية قائمة.
بداية، لا يمكن فصل مبادرة ترامب عن السياق السياسي الداخلي الأميركي. فالرجل يسعى، بوضوح، إلى تقديم نفسه كبديل “واقعي” للسياسات السابقة، منتقدًا ما يعتبره استنزافًا ماليًا وعسكريًا للولايات المتحدة في أوكرانيا. ومن هذا المنطلق، فإن خطابه لا يخاطب فقط العواصم الدولية، بل يوجَّه أساسًا إلى الداخل الأميركي، حيث تتزايد الدعوات إلى تقليص الالتزامات الخارجية.
غير أن هذا البعد الداخلي، وإن كان مفهومًا، ينعكس سلبًا على وضوح الرؤية الخارجية. فترامب يتحدث عن تقدم كبير، لكنه يتجنب الخوض في التفاصيل، وهو ما يجعل الخطة أقرب إلى إعلان نوايا منها إلى مشروع تسوية متكامل. ومع ذلك، فإن مجرد إعادة فتح ملف التفاوض يعبّر عن اعتراف ضمني بأن الحرب دخلت مرحلة إنهاك متبادل، يصعب معها تحقيق نصر حاسم لأي طرف.
في صلب هذه المعادلة، يبرز ملف الأراضي، وبالخصوص إقليم دونباس، باعتباره بيت القصيد. فالمقترح القاضي بوقف القتال عند خطوط الجبهة الحالية، مع إنشاء منطقة منزوعة السلاح، يعني عمليًا تكريس نتائج القوة العسكرية. ومن هنا، فإن الحديث عن سلام، دون معالجة مسألة السيادة ووحدة الأراضي، يظل سلامًا ناقصًا، قابلًا للانهيار عند أول اختبار جدي.
انفتاح الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي على النسخة المعدلة من الخطة الأميركية لا يمكن قراءته خارج سياق الضغوط الهائلة التي تواجهها بلاده. فبعد سنوات من الحرب، باتت الكلفة البشرية والاقتصادية تثقل كاهل الدولة والمجتمع. ومع ذلك، فإن اشتراطه اللجوء إلى استفتاء شعبي في حال القبول بتنازلات إقليمية يعكس وعيًا بخطورة القرار، ومحاولة لتحميل المسؤولية للرأي العام، تفاديًا لانقسام داخلي قد يكون أكثر كلفة من استمرار الحرب.
في المقابل، تبدو موسكو أقل استعجالًا لأي تسوية. فروسيا، التي تراهن على عامل الزمن، تعتقد أن استمرار الضغط العسكري سيُفضي، عاجلًا أم آجلًا، إلى فرض شروطها على الأرض. ومن هذا المنطلق، فإن رفضها لوقف إطلاق النار المؤقت ليس تعنتًا مجانيًا، بل جزء من حسابات استراتيجية ترى في أي تهدئة فرصة لخصومها لإعادة تنظيم صفوفهم.
كما أن تحميل الكرملين للعواصم الأوروبية مسؤولية “عرقلة السلام” ليس سوى محاولة لإعادة رسم خريطة الاصطفافات داخل المعسكر الغربي، وفصل الموقف الأميركي عن الموقف الأوروبي. غير أن هذه المناورة، مهما بدت ذكية، لا تُخفي حقيقة أن جوهر الخلاف لا يزال قائمًا، ويتعلق أساسًا بمسألة الأمن الإقليمي وتوسع حلف شمال الأطلسي.
وهنا تحديدًا، تكمن إحدى أكبر مفارقات خطة ترامب. فإعادة طرح فكرة ضمانات أمنية لأوكرانيا شبيهة بتلك التي يوفرها الناتو، وإن كانت موجهة لطمأنة كييف، فإنها في الواقع تشكل استفزازًا مباشرًا لموسكو. وبالتالي، فإن هذه الضمانات، بدل أن تكون جسرًا نحو السلام، قد تتحول إلى لغم سياسي ينسف أي توافق محتمل.
التصعيد العسكري الروسي الأخير ضد كييف وضواحيها لا يمكن فصله عن هذا السياق. فهو رسالة واضحة مفادها أن روسيا لن تفاوض من موقع ضعف، وأن أي حل لا يأخذ مصالحها الأمنية بعين الاعتبار سيبقى حبرًا على ورق. كما أن تصريحات الرئيس فلاديمير بوتين بشأن اللجوء إلى “الوسائل العسكرية” تؤكد أن منطق الردع بالقوة لا يزال حاضرًا بقوة في المعادلة.
إلى ذلك، فإن خطة ترامب، في صيغتها الحالية، تبدو أقرب إلى هدنة مؤقتة منها إلى سلام دائم. فهي محاولة لإدارة الصراع وتخفيف حدته، دون معالجة أسبابه البنيوية. وبقدر ما تعكس هذه الخطة واقعية سياسية، فإنها تكشف أيضًا حدود هذه الواقعية عندما لا تُرفق بإرادة دولية حقيقية لتقديم تنازلات متبادلة.
وعليه، فإن السلام في أوكرانيا سيظل احتمالًا معلقًا، ما دامت الأطراف المعنية تفضّل تحسين شروط التفاوض بالقوة، بدل الاستثمار في تسوية شجاعة ومؤلمة. وبين هذا وذاك، يبقى المدنيون وحدهم من يدفع ثمن صراع لم تنضج بعد شروط إنهائه.














