مركز بلا تأثير؟ أوروبا تراجع رهاناتها على تنسيق تقوده واشنطن في غزة

الحدث بريس20 يناير 2026
مركز بلا تأثير؟ أوروبا تراجع رهاناتها على تنسيق تقوده واشنطن في غزة

مع استمرار الحرب على غزة وتعاظم الكارثة الإنسانية، بدأت تتصدع إحدى الركائز التي راهنت عليها واشنطن لإدارة المشهد ما بعد السابع من أكتوبر: مركز التنسيق المدني–العسكري الذي أنشئ في جنوب إسرائيل بدعم أمريكي مباشر. فبينما كان يفترض أن يشكل هذا المركز أداة لتسهيل المساعدات الإنسانية ومراقبة وقف إطلاق النار وصياغة ملامح “اليوم التالي” في غزة. وتشير معطيات دبلوماسية إلى أن عددا من الدول الأوروبية بات يعيد النظر في جدوى المشاركة فيه. وسط شعور متزايد بأنه لم يحقق لا اختراقا إنسانيا ولا تأثيرا سياسيا ملموسا.

خلفية المركز: وعود كبيرة ونتائج محدودة

أنشئ المركز في أكتوبر ضمن إطار خطة أعلنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بهدف معلن يتمثل في إنهاء الحرب على غزة. حيث قدم بوصفه منصة تنسيقية مشتركة تجمع عسكريين أمريكيين وإسرائيليين إلى جانب ممثلين دوليين. على أمل تنظيم الجوانب الإنسانية والأمنية، بل وحتى التمهيد لمرحلة سياسية لاحقة. غير أنه، ومع مرور أشهر على بدء عمله، بدأت هذه الوعود تصطدم بواقع ميداني شديد القسوة. إذ ظل تدفق المساعدات الإنسانية محدودا ومقيدا باعتبارات أمنية إسرائيلية صارمة، في الوقت الذي تدهور فيه الوضع الإنساني بشكل متسارع نتيجة الدمار الواسع للبنية التحتية واستمرار موجات النزوح الجماعي.

القلق الأوروبي: شراكة بلا تأثير

فوجدت الدول الأوروبية المشاركة نفسها في موقع حرج. فمن جهة، لا تريد الظهور كمنسحب من أي جهد إنساني يتعلق بغزة، ومن جهة أخرى، فإن استمرار المشاركة في آلية تفتقر للشفافية والفاعلية يهدد مصداقيتها السياسية والأخلاقية.

أبرز مصادر القلق الأوروبي تشمل:

ما يحد من قدرة الشركاء الأوروبيين على التأثير. ىتهميش القانون الدولي: لا يظهر أن آليات المركز تضغط بشكل حقيقي لفرض التزامات إنسانية أو مساءلة. خطر التواطؤ السياسي: المشاركة قد تفسر كدعم غير مباشر لإدارة الحرب بدلا من تخفيف آثارها.

واشنطن وإدارة الأزمة: تنسيق أم احتواء؟

ومن منظور أمريكي، ينظر إلى مركز التنسيق بوصفه أداة لإدارة الأزمة أكثر منه إطارا لحلها. إذ يركز أساسا على احتواء التداعيات الإنسانية والسياسية للحرب. دون الذهاب بعيدا نحو مواجهة حقيقية مع إسرائيل أو فرض مسار سياسي ملزم قد يربك توازنات واشنطن الإقليمية. وضمن هذا السياق، ينسجم عمل المركز مع نهج أمريكي أوسع يقوم، أولا، على إعطاء أولوية مطلقة للاعتبارات الأمنية الإسرائيلية. وثانيا، على تجنب فرض حلول سياسية جذرية قد تفضي إلى صدام دبلوماسي أو ضغوط داخلية. وثالثا، على إدارة الملف الإنساني ضمن حدود محسوبة لا تتعارض مع الحسابات العسكرية القائمة. غير أن هذا الأسلوب، وعلى الرغم من براغماتيته الظاهرية، يصطدم بشكل متزايد بالرؤية الأوروبية التي تميل، ولو على المستوى النظري، إلى ربط المساعدات الإنسانية بمسار سياسي واضح وباحترام صريح لمبادئ القانون الدولي.

سيناريوهات الانسحاب: ماذا لو غادرت أوروبا؟

في حال قررت بعض الدول الأوروبية سحب أفرادها من المركز، فإن ذلك من شأنه أن يفتح الباب أمام جملة من التداعيات المحتملة. إذ سيؤدي، أولا، إلى إضعاف شرعية المركز على المستوى الدولي، وتحويله عمليا إلى آلية أمريكية–إسرائيلية شبه خالصة تفتقر إلى الغطاء متعدد الأطراف. ومن جهة ثانية، قد يفضي هذا الانسحاب إلى زيادة الضغوط السياسية والدبلوماسية على واشنطن، ويدفعها، ولو بشكل غير مباشر، إلى إعادة النظر في أدواتها المعتمدة لإدارة حرب غزة وتداعياتها.

أزمة ثقة تتجاوز مركزاً واحداً

إعادة النظر الأوروبية في المشاركة ليست مجرد مسألة إدارية. بل تعكس أزمة ثقة أعمق في المقاربة الأمريكية لإدارة الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي. فطالما ظل التنسيق العسكري بديلا عن الحل السياسي، والمساعدات الإنسانية رهينة للاعتبارات الأمنية. ستبقى مثل هذه المراكز عرضة للتشكيك والانسحاب.

وغزة، في نهاية المطاف، لا تحتاج إلى غرف تنسيق جديدة بقدر ما تحتاج إلى إرادة سياسية دولية حقيقية تضع حداً للحرب، وتفتح طريقاً واضحاً نحو العدالة والاستقرار.

أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :‫‫عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.