شهد شمال المغرب في الأيام الأخيرة أمطارا غزيرة وغير مسبوقة، دفعت السلطات إلى إعلان حالة الطوارئ وإخلاء سكان عدة مناطق بعد امتلاء السدود عن آخرها. وتأتي فيضانات هذه السنة، بعد سنوات من الجفاف القاسي، ما يجعل الظاهرة أكثر لفتا للانتباه وتطرح تساؤلات حول قدرة الدولة والمجتمع على التكيف مع التقلبات المناخية المتزايدة.
الأنهار الجوية وفهم فيضانات المغرب
ويعد دور الأنهار الجوية أساسيا في تكوين الفيضانات الأخيرة. فهي ممرات ضيقة وطويلة من بخار الماء تمتد آلاف الكيلومترات عبر الغلاف الجوي، حاملة كميات هائلة من الرطوبة من المحيطات إلى اليابسة، وعند اصطدامها بالتضاريس كالجبال تتحول إلى أمطار غزيرة قادرة على التسبب في فيضانات كارثية.
وأظهرت دراسة علمية نشرت عام 2022 في مجلة International Journal of Climatology أن الأنهار الجوية تسهم بنحو 30% من الأمطار السنوية في المغرب، وتشكل عنصراً رئيسياً في تكوين الأمطار الغزيرة والأحداث المطرية الشديدة، بما في ذلك الفيضانات المتكررة. وقاد هذه الدراسة الدكتور عبدو خواخي من جامعة كرامفيلد البريطانية، المختص في رصد الأرض عبر الأقمار الصناعية ودراسة المخاطر المناخية.
الطيار النفاذ الأطلسي وعاصفة “ليوناردو“
ويوضح الخبراء إلى أن زياح مسار الطيار النفاذ الأطلسي (Jetstream) نحو الجنوب خلال الأسابيع الماضية، إضافة إلى وجود مرتفعات جوية شبه ثابتة شمال شرق أوروبا، ساهم في توجيه العواصف نحو شمال إفريقيا وجنوب أوروبا، ما زاد من حدة الأمطار وحدوث الفيضانات.
وتوضح الأحداث الأخيرة أن الأنهار الجوية تعمل كقنوات طبيعية لنقل الرطوبة، فتتحول هذه المياه إلى أمطار غزيرة عند اصطدامها بالتضاريس، كما حصل خلال عاصفة “ليوناردو” التي ضربت المغرب وجنوب إسبانيا والبرتغال مؤخراً، مسببة فيضانات واسعة النطاق.
التغير المناخي ومضاعفة خطر الفيضانات المستقبلية
وينبه الباحثون إلى أن التغير المناخي يزيد شدة الأمطار ويساهم في تكرار الفيضانات. فارتفاع حرارة الأرض يجعل الهواء أكثر قدرة على حمل كميات أكبر من بخار الماء. ما يرفع احتمال الأمطار الغزيرة عند تكون الأنهار الجوية، حتى وإن لم يرتبط كل حدث مطري فردي بالتغير المناخي مباشرة.
ويؤكد العلماء أن المغرب والمنطقة المغاربية بحاجة إلى تعزيز الاستعدادات. لمواجهة الفيضانات المستقبلية، عبر تطوير البنية التحتية للسدود، وتفعيل نظم الإنذار المبكر. وتحسين خطط الطوارئ لحماية السكان والممتلكات من آثار الأمطار الغزيرة المتكررة.
وتشير هذه الأحداث إلى أن الأمطار الغزيرة الأخيرة المصاحبة لها ليست مجرد حدث عابر. بل هي نتيجة تفاعل معقد بين الظواهر الجوية الطبيعية والتغيرات المناخية العالمية. ما يجعل فهم دور الأنهار الجوية أمراً أساسياً لتقليل المخاطر وحماية المناطق الأكثر عرضة.






