الخميس 8 أكتوبر 2026
آخر الأخبار
الجريدة الرسمية تنشر ظهيرا بتعيين المنصوري رئيسة للحكومة الأحرار يفوضون شوكي تدبير المشاركة في حكومة المنصوري إيطاليا تمنح طلبة مغاربة 8 آلاف يورو سنوياً لاستكمال الدراسة تقرير غوتيريش يكشف كواليس مفاوضات الصحراء المغربية.. ثلاث جولات ومشروع اتفاق لمرحلة انتقالية ميدلت تستعد لاحتضان الدورة السادسة للملتقى الوطني للتفاح بمشاركة 150 عرضا واستقطاب أزيد من 150 ألف زائر سانشيز يحل البرلمان الإسباني ويدعو إلى انتخابات مبكرة طقس الاثنين.. زخات رعدية مهمة بالأقاليم الجنوبية وحرارة مرتفعة بعدد من المناطق جيسوس يفتح الباب لرونالدو.. والقرار بيد «الدون» المحامون يعودون إلى المحاكم بعد أشهر من التوقف.. وملفات متراكمة تنتظر الحسم وزارة الصحة تكشف حقيقة توفر اللقاحات وتدعو المغاربة إلى عدم تأخير الجرعات فرنسا تفتح الباب أمام عودة بريطانيا إلى الاتحاد الأوروبي جلسة حاسمة في لوزان.. المحكمة الرياضية تحسم مسار قضية نهائي أمم إفريقيا
سياسة

شباب المغرب والسياسة: القطيعة الكبرى

بقلم الحدث بريس... 22 أبريل، 2025 23:37
شباب المغرب والسياسة: القطيعة الكبرى

يعيش المغرب اليوم تحوّلاً بنيوياً في علاقة الشباب بالسياسة، يكاد يكون من أعمق التحولات التي عرفها المشهد الحزبي منذ الاستقلال. فجيل اليوم لم يعد يرى في الأحزاب السياسية امتداداً لتاريخه أو لحلمه الجماعي، بل بات يتعامل معها كأجسام غريبة عن واقعه، منتهية الصلاحية، وعاجزة عن التعبير عن طموحاته. لا يتعلق الأمر فقط بانخفاض نسب المشاركة أو ضعف الانخراط، بل بانفصال رمزي أعمق: جيل بلا ذاكرة حزبية، وبلا روابط وجدانية مع المؤسسات الوسيطة التي شكلت، لسنوات طويلة، العمود الفقري للتماسك السياسي والاجتماعي.

هذا الانفصال لا يعني بالضرورة عزوفاً عن الشأن العام، بل هو تعبير عن ميلاد وعي سياسي جديد، فرداني في جوهره، رقمي في وسائله، وأفقي في تمثلاته. شباب اليوم لا يثق في الشعارات التي ترفعها النخب الحزبية، ولا في المساطر التنظيمية التي تصوغ بها قراراتها، ولا في نوايا الفاعلين الذين يتصدرون المشهد باسم “التمثيل الديمقراطي”. لقد استُهلكت لغة الالتزام، وفُقد أثر الرموز، وانطفأت جاذبية “الزعامة”، لتحل محلها قيم الاستقلالية، والرفض، والبحث عن التأثير المباشر.

تشير المعطيات المتوفرة إلى أن الغالبية الساحقة من الشباب المغربي تضع الأحزاب السياسية في ذيل هرم الثقة. فالتحقيقات الميدانية، كدراسة معهد بروميثيوس، تظهر أن 86% من الشباب لا يثقون في الفاعلين الحزبيين، بينما توجه النسبة الأكبر منهم بوصلتها نحو العمل الجمعوي أو الترافع الرقمي أو الإنتاج الثقافي والفني. هذه المعطيات لا تفيد فقط في تشخيص الأزمة، بل تؤكد أن السياسة لم تختفِ من حياة الشباب، بل أعادت تشكيل نفسها خارج قواعد اللعبة الكلاسيكية.

يكشف هذا التحول عن مفارقة عميقة: الدولة، التي راهنت تاريخياً على الأحزاب لضبط المجال السياسي، تجد نفسها اليوم أمام جيل لا يعترف بهذه الوساطة، ويطالب بعقد جديد، لا يقوم على التمثيل، بل على الفعالية. جيل يريد أن يرى الأثر لا الوعود، ويسائل السياسة كخدمة لا كأيديولوجيا، ويُقوّم الأداء لا الخطاب. إنه انتقال من المواطن المنتمي إلى المواطن المتطلب، ومن الناخب المُؤطّر إلى الفاعل الرقمي المتحرر من الانتماءات.

هذا الواقع لا يخلو من مخاطر، أهمها الانجراف نحو الشعبوية، أو الوقوع في الاستلاب الثقافي والسياسي أمام نماذج استهلاكية عابرة للحدود. كما لا يمكن إغفال التحديات المرتبطة بضعف التأطير، وتشتت المبادرات، وغياب البدائل المؤسسية التي تواكب هذا الوعي الجديد. ولكن رغم هذه التحديات، فإن الرهان ليس في إعادة إنتاج نفس البنى الحزبية المتهالكة، بل في التفكير في كيف يمكن تجديد السياسة نفسها لتستوعب هذا التحول، وتحول دون أن يتحول إلى قطيعة دائمة.

إن ما نعيشه اليوم ليس فقط أزمة مؤسسات، بل لحظة انتقالية في الوعي السياسي المغربي، عنوانها الأبرز: لم يعد الشباب ينتظر من الأحزاب أن تصوغ مستقبله، بل أصبح يصنعه بنفسه، خارج دوائر الشرعية القديمة، وبأدوات جديدة، تحرر الخطاب من طقوسه، والفعل من قوالبه. وهو ما يستوجب من النخب السياسية، إن أرادت البقاء، أن تتعلم كيف تنصت، لا كيف تخطب. كيف تتغير، لا كيف تتشبث بماضيها. فالشباب لا يحتاج إلى من يقوده، بل إلى من يفتح له المسارات، ويعترف بشرعيته كصاحب قرار، لا كموضوع تأطير.

وهنا، يصبح سؤال تجديد السياسة في المغرب مرادفاً لسؤال تجديد الحقل الحزبي برمّته، ليس فقط على مستوى الوجوه أو البرامج، بل في عمق تصور العلاقة بين الفرد والمؤسسة، بين التعبير والانتماء، بين المبادرة والتمثيل. فإما أن تعيد السياسة المغربية اكتشاف شبابها، أو أنها ستفقد شرعيتها أمامه، إلى الأبد.

أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :‫‫عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.