بدأ السوريون استبدال أوراقهم النقدية القديمة بأخرى جديدة. مع مطلع الشهر الجاري، في خطوة وصفتها الحكومة بأنها جزء من خطة أوسع لإعادة ترتيب المشهد النقدي وتعزيز قيمة الليرة السورية. هذه العملية، التي تستهدف سحب أوراق تعود إلى عهد النظام السابق. تفتح بابا واسعا للتساؤلات حول جدواها الاقتصادية الحقيقية. وحدود تأثيرها في ظل واقع اقتصادي شديد التعقيد.
دلالات سياسية واقتصادية متداخلة
لا يمكن فصل استبدال العملة عن رمزيته السياسية. فالتخلص من أوراق نقدية ارتبطت بمرحلة سابقة يحمل رسالة تتجاوز الجانب المالي. مفادها أن الدولة تسعى لطي صفحة قديمة وبناء سردية جديدة للاستقرار والسيادة النقدية. غير أن الرمزية، مهما كانت قوية، لا تكفي وحدها لمعالجة اختلالات اقتصادية متراكمة.
السيولة والثقة: الرهان الأصعب
تعتمد أي عملية استبدال نقدي على عنصرين حاسمين: السيولة والثقة. فالمواطن السوري، الذي عانى سنوات من تآكل دخله وارتفاع الأسعار. ينظر إلى أي إجراء نقدي بعين الحذر. وإذا لم تترافق عملية الاستبدال مع ضمانات واضحة بعدم المساس بالمدخرات. فإن الخوف من فقدان القيمة قد يدفع إلى مزيد من الاكتناز أو التحول إلى العملات الأجنبية، وهو ما يقوض الهدف الأساسي للعملية.
هل يعزز الاستبدال قيمة الليرة؟
من الناحية النظرية، يمكن لعملية استبدال العملة أن تسهم في ضبط الكتلة النقدية والحد من التداول غير المنظم، خاصة إذا كانت جزءا من سياسة نقدية متكاملة. لكن في الحالة السورية، تبقى قيمة العملة مرتبطة بعوامل أعمق: الإنتاج، الصادرات، الاستقرار السياسي، وعودة الثقة بالقطاع المصرفي. من دون تحسن ملموس في هذه المؤشرات، قد يتحول الاستبدال إلى إجراء شكلي أكثر منه علاجا جذريا.
الاقتصاد الحقيقي هو الفيصل
إنعاش الاقتصاد لا يتحقق عبر تغيير شكل الورقة النقدية بقدر ما يتحقق عبر تحريك عجلة الإنتاج، وتوفير فرص العمل، وتحسين بيئة الاستثمار. فإذا لم يلمس المواطن أثرًا مباشرًا على قدرته الشرائية، فإن أي حديث عن “تعزيز قيمة العملة” سيبقى نظريًا، وربما يزيد من فجوة الثقة بين الشارع والسياسات الاقتصادية.
كما تمثل عملية استبدال العملة في سوريا خطوة لافتة تحمل أبعادا رمزية واقتصادية، لكنها في حد ذاتها ليست عصا سحرية. نجاحها مرهون بكونها جزءًا من رؤية اقتصادية شاملة تعالج جذور الأزمة، لا مجرد إعادة طباعة لها. وبين التفاؤل الحذر والشك المشروع. ويبقى السؤال مفتوحا: هل تكون هذه الخطوة بداية مسار تعاف حقيقي، أم محطة أخرى في إدارة أزمة طويلة الأمد؟






