دخل ملف الصحراء منعطفا حاسما بعد بروز وثيقة مغربية جديدة، قدمها الوفد المغربي في لقاء رعته الولايات المتحدة بمدريد، تضم تصورا محدثا للحكم الذاتي، يختلف في جوهره عن مقترح 2007، سواء من حيث البنية المؤسسية أو فلسفة توزيع الاختصاصات. ويظهر بأن المغرب سينتقل من مقاربة “المبادرة السياسية” إلى مقاربة “هندسة دستورية” مستوحاة من نماذج عالمية، مع الحفاظ على خصوصية البنية الدستورية الموحدة للدولة المغربية.
وثيقة تتسبب في تحول لافت: رئيس الحكومة الجهوية معين من الملك
ويتميز المقترح الجديد بإعادة ترتيب السلطة التنفيذية داخل جهة الصحراء. فبعد أن كان رئيس الحكومة الجهوية ينتخب عبر البرلمان المحلي ثم ينصب ملكيا، أصبح التعيين الملكي هو الخطوة الأولى، قبل أن يحصل الرئيس على التنصيب البرلماني. هذا التحول يعكس توجها يوازن بين شرعية الدولة المركزية والتعددية الجهوية، ويزيل أحد أهم تخوفات السنوات الماضية المتعلقة بدور “المندوب الحكومي” وصراع الشرعيات التنفيذية. مما يؤكد أن المقترح يؤسس رئاسة جهوية قوية وفي الوقت نفسه مرتبطة بنواة السيادة الوطنية مباشرة.
برلمان بغرفة واحدة… لكن بشرعية مزدوجة
وتأتي الوثيقة لتحسم جدل غرفتي البرلمان، حيث تحسم هذا الجدل باعتماد برلمان جهوي واحد. لكن الجديد هو الإطار الهجين الذي يجمع بين أعضاء منتخبين بالاقتراع العام المباشر وفق نمط نسبي جهوي، وأعضاء معينين من طرف القبائل الصحراوية المعترف بها، هذا المزج يمنح البرلمان شرعيتين: شرعية ديمقراطية مباشرة، وشرعية تقليدية – اجتماعية متجذرة في البنية القبلية. وهو تصميم مؤسساتي نادر، يجمع بين الحداثة والخصوصيات المحلية.
توزيع دقيق للاختصاصات… بين الدولة والجهة
وتقدم الوثيقة هندسة واضحة للصلاحيات، وتتجنب الضبابية التي شابت مقترحات سابقة. فيما الدولة تحتفظ بصميم سيادتها: الدفاع، والأمن القومي، والسياسة الخارجية، والعملة والسياسة النقدية، والجنسية، والقضاء الأعلى، والرموز الوطنية. أما الجهة فتحصل على صلاحيات واسعة في مجالات تشكل عمق الحياة اليومية: التخطيط الاقتصادي، والتنمية الصناعية والبحرية، والتعليم والصحة، والبيئة، والبنيات التحتية المائية والطاقية، والثقافة. مع إمكانية سن قواعد ملزمة التنفيذ داخل هذه المجالات. هذه المقاربة تضع الصحراء أمام أوسع صلاحيات جهوية في المغرب. لكنها في إطار دولة واحدة متماسكة.
الحكم الذاتي داخل الدستور… استفتاء وطني لأول مرة
ويرسخ المقترح نظام الحكم الذاتي عبر ربطه باستفتاء وطني شامل بدل استفتاء جهوي، وبذلك يؤكد أن الصحراء جزء لا يتجزأ من السيادة الوطنية، وفي الوقت نفسه يجعل هذا النظام تعاقدا دستوريا يشارك فيه جميع المغاربة. كما تدرج الوثيقة الحكم الذاتي في باب خاص داخل الدستور. وتلزم أي تعديل لاحق بالخضوع لمساطر مشددة تتطلب موافقة كل من البرلمان الجهوي والبرلمان الوطني.
آلية “الاستثناء المؤقت” لضمان الاستقرار
وتدرج الوثيقة بندا حساسا يتيح للدولة تعليق بعض اختصاصات الجهة بشكل مؤقت إذا ظهر أي تهديد للنظام الدستوري أو للوحدة الترابية أو للسير العادي للمؤسسات. وتستمد هذه الصيغة روحها من تجارب دولية متعددة. لتوفر شبكة أمان سياسية وقانونية تمنع انزلاق النموذج نحو أي شكل من أشكال “الفيدرالية الانفصالية”.
نماذج مستلهمة… دون استنساخ
ويتضح من الصياغة أن المقترح ليس تكرارا لمبادرة 2007، بل استلهاما لتجارب متعددة كالنموذج الإسباني في بناء “دولة الجهات”، والنموذج الدانماركي – الغرينلاندي في توزيع الاختصاصات. والنموذج الفرنسي، خصوصا “اتفاقات نوميا” الخاصة بكاليدونيا الجديدة، التي تقوم على التدرج والشرعية المتبادلة. لكن الوثيقة تؤكد أنها لا تستنسخ أي نموذج حرفيا، بل تدمج أفضل العناصر في تصميم يتلاءم مع البنية المغربية.
قراءة تحليلية: لماذا الآن؟
ويأتي هذا التطور في لحظة حساسة من النزاع الإقليمي والدولي، وفي سياق تنامي الاعتراف الدولي بمبادرة الحكم الذاتي كحل سياسي واقعي. والوثيقة الجديدة تبدو محاولة لتعزيز مصداقية الحل المغربي بطرح نسخة مؤسساتية أكثر دقة ونضجا، وقطع الطريق على الأطروحات الانفصالية عبر إدماج الصحراء دستوريا وبصلاحيات واسعة دون المساس بوحدة الدولة. واستباق التغيرات الجيوسياسية عبر إظهار قدرة المغرب على تقديم حلول قابلة للتفاوض ومتطورة.
وتعيد الوثيقة الجديدة صياغة الفلسفة السياسية التي يقوم عليها الحكم الذاتي،. كيف لا وهي ليست مبادرة محلية فحسب، بل هندسة دولة تسعى إلى بناء نموذج إقليمي متوازن يجمع بين الشرعية الديمقراطية، والاعتراف الاجتماعي، والانسجام الدستوري. وبينما يبقى النص “أوليا” وقابلا للتفاوض. فإنه يظهر أن المغرب انتقل إلى مرحلة جديدة في إدارة النزاع، عنوانها: حل سياسي مبتكر… لكن بمرجعية سيادية واضحة.






