آخر الأخبار
تسوية المهاجرين في إسبانيا… ضربة جديدة تُربك حسابات جبهة البوليساريو بين العفوية وتجاوز البروتوكول.. ماكرون يربك ميلوني في قمة دولية إصلاح قانوني مرتقب يهم ساعات عمل شركات الحراسة الخاصة الوجه الخفي لمجزرة هزّت تركيا.. تحقيقات تكشف خيوط جريمتي المدرستين المغرب يشدد الرقابة على استيراد الأدوية عبر شروط جديدة للتأشيرة الصحية الداخلية تتحرك لضبط فوضى الطاكسيات.. رقمنة ومراقبة وإنهاء الاستغلال غير المباشر واشنطن تفاوض تحت التهديد.. إغلاق هرمز وتصعيد لبنان يدفعان المنطقة نحو مواجهة شاملة الحمامات ترفع التسعيرة.. ومغاربة: “السبب دائماً هرمز!” ترامب يرجّح نهاية قريبة لحرب إيران ويكشف معطيات جديدة عن المفاوضات المرتقبة الساعة الإضافية تربك نوم المغاربة وتفاقم التعب اليومي(دراسة) الملك محمد السادس يوشح محمد يسف ويعين اليزيد الراضي أمينا عاما للمجلس العلمي الأعلى الحكومة الإسبانية تقر تسوية واسعة للمهاجرين.. وسانشيز يتحدث عن “فعل عدالة”
الرئيسية / سياسة / العزوف الصامت امتحان الثقة بين المواطن والسياسة

العزوف الصامت امتحان الثقة بين المواطن والسياسة

سياسة بقلم: الحدث بريس.. ادريس بوداش 22/02/2026 11:24
سياسة
العزوف الصامت امتحان الثقة بين المواطن والسياسة

في السنوات الأخيرة لم يعد العزوف الانتخابي مجرد رقم تعلنه وزارة الداخلية بعد كل استحقاق. بل تحول إلى مؤشر سياسي واجتماعي عميق يعكس طبيعة العلاقة بين المواطن والعمل الحزبي. نسب المشاركة لم تعد تقرأ بمعزل عن السياق العام، بل أصبحت تفسر في ضوء حالة مزاج جماعي يتسم بالحذر وربما بالبرود تجاه الخطاب السياسي برمته.

السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط كم من المغاربة سيشاركون في الاستحقاقات المقبلة. بل لماذا يتنامى الشعور بعدم الجدوى لدى فئة واسعة من المواطنين. هل الأمر يتعلق بلامبالاة سياسية، أم بخيبة أمل تراكمت عبر سنوات من الوعود غير المكتملة؟ وهل يبتعد المواطن عن السياسة فعلا. أم أن السياسة هي التي انسحبت تدريجيا من همومه اليومية؟

التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي عرفها المغرب خلال العقد الأخير عمقت هذا النقاش. فارتفاع الأسعار، وتراجع القدرة الشرائية، وتزايد الضغط المعيشي جعلت أولويات المواطن مباشرة وملموسة. وحين لا يجد صدى واضحا لمطالبه داخل البرامج الحزبية أو النقاش البرلماني، يبدأ شعور المسافة في الاتساع. تلك المسافة هي التي تصنع ما يمكن تسميته العزوف الصامت، عزوف لا يعلن نفسه صراحة لكنه يتجلى في فتور المشاركة وضعف التفاعل مع النقاش العمومي.

أرقام المشاركة حين تكشف ما وراءها

عند مراجعة نسب المشاركة في الاستحقاقات الأخيرة يتبين أن المشهد ليس أحاديا. صحيح أن بعض المحطات عرفت نسبا مقبولة مقارنة بسياقات إقليمية مماثلة. لكن القراءة الدقيقة تظهر أن جزءا كبيرا من المشاركة يرتبط باعتبارات محلية أو تنظيمية أكثر منه تعبيرا عن حماس سياسي واسع.

النقاش الحقيقي لا يكمن في الرقم الإجمالي، بل في تركيبته. فمشاركة الشباب تظل أقل من المأمول. والانخراط الحزبي في صفوف الفئات الصاعدة لم يعرف الدينامية التي كان يتوقعها كثيرون. كما أن الثقة في الأحزاب كمؤسسات وسيطة بين الدولة والمجتمع تعرضت لاختبار مستمر بفعل التحولات السريعة في طرق التواصل وفي طبيعة الوعي العام.

العالم الرقمي لعب دورا مركزيا في هذا التحول. فوسائل التواصل الاجتماعي منحت المواطن منصة مباشرة للتعبير من دون وساطة حزبية أو نقابية. هذا التحول أعاد تعريف العلاقة مع السياسة. فلم يعد المواطن ينتظر خطابا حزبيا تقليديا، بل يريد تفاعلا فوريا وشفافية أعلى وقدرة على تفسير القرارات بوضوح. وعندما لا تتكيف البنية الحزبية مع هذه السرعة الرقمية، تظهر فجوة في الثقة تتسع بصمت.

بين الخطاب السياسي والواقع الاقتصادي

لا يمكن فصل العزوف الصامت عن السياق الاقتصادي. فحين يعيش المواطن ضغطا يوميا مرتبطا بالأسعار وفرص الشغل والخدمات، يصبح تقييمه للعمل السياسي براغماتيا للغاية. هو لا يبحث عن شعارات كبرى بقدر ما يبحث عن أثر ملموس في حياته.

والنمو الاقتصادي المعلن في التقارير الرسمية لا يكفي وحده لبناء الثقة إذا لم يشعر به المواطن في دخله ومستوى عيشه. هنا تتقاطع السياسة مع الاقتصاد بشكل مباشر. كل قرار يتعلق بالضرائب أو الدعم أو الأسعار يتحول إلى معيار يقاس به صدق الوعود الانتخابية.

الإشكال لا يكمن فقط في السياسات الحكومية، بل أيضا في أداء المعارضة. ففي كثير من الأحيان يبدو النقاش السياسي تقنيا أو نخبويا، بعيدا عن لغة الناس اليومية. وعندما لا يجد المواطن معارضة قوية ومقنعة تمثل صوته وتدافع عن مطالبه داخل المؤسسات، يشعر بأن اللعبة السياسية تدور في فضاء مغلق لا يعكس تماما همومه.

هذا الإحساس بالتباعد لا ينتج انفجارا دائما، بل ينتج برودا تدريجيا. والبرود أخطر من الغضب لأنه لا يترجم إلى احتجاج صريح، بل إلى انسحاب هادئ من المشهد.

أزمة ثقة أم مرحلة انتقال سياسي

من الخطأ اختزال المشهد في فكرة عزوف دائم. فالمجتمعات تمر بمراحل يعاد فيها تعريف العلاقة بين المواطن والمؤسسات. قد يكون ما يعيشه المغرب اليوم جزءا من تحول أعمق يرتبط بتغير توقعات الأجيال الجديدة وبسقف المطالب المتصاعد.

الشباب الذي نشأ في بيئة رقمية ومنفتحة لم يعد يكتفي بالانتماء الرمزي إلى حزب أو تيار. هو يريد مشاركة مباشرة وشفافية وسرعة في اتخاذ القرار. ومع استمرار الفجوة بين هذا الطموح وبين آليات العمل الحزبي التقليدية، يصبح العزوف تعبيرا عن طلب إصلاح لا عن رفض كامل للسياسة.

لكن المساءلة السياسية تبقى ضرورية. هل قامت الأحزاب بما يكفي لتجديد خطابها وتنظيماتها؟ وهل تمكنت من استقطاب كفاءات شابة؟ هل مارست المعارضة دورها كاملا في المراقبة والاقتراح؟ وهل نجحت الحكومة في التواصل بشكل مقنع مع المواطن في القضايا الحساسة؟

هذه الأسئلة لا تستهدف طرفا بعينه، بل تمس جوهر التجربة الديمقراطية. فالثقة ليست معطى ثابتا، بل نتيجة تراكمية تتغذى من الإنجاز والمحاسبة والوضوح.

هل يبتعد المغاربة عن السياسة أم تبتعد السياسة عنهم

في المحصلة لا يبدو أن المواطن المغربي تخلى عن اهتمامه بالشأن العام. فالنقاشات المحتدمة على مواقع التواصل والاهتمام بالقضايا الوطنية الكبرى يدلان على أن الاهتمام قائم. لكن ما يتغير هو شكل التعبير عن هذا الاهتمام.

وإذا كان العزوف الانتخابي نسبيا، فإن العزوف عن السياسة كقضية عامة غير مؤكد. ربما السياسة بممارستها الكلاسيكية هي التي تجد نفسها مطالبة بإعادة تعريف دورها وأدواتها. والمواطن لم يعد يقبل أن يكون متلقيا صامتا، بل يريد دورا أكبر في صياغة القرار أو على الأقل في فهم مبرراته.

والمرحلة المقبلة ستكون اختبارا حقيقيا. فإما أن تنجح المؤسسات الحزبية في تجديد نفسها واستعادة الثقة عبر خطاب صادق وقرارات ملموسة، وإما أن يستمر العزوف الصامت في الاتساع تدريجيا.

فهل يبتعد المغاربة فعلا عن السياسة أم أن السياسة هي المطالبة اليوم بالاقتراب أكثر من المغاربة؟ الإجابة لن تحددها استطلاعات الرأي فقط، بل ستحددها السياسات والنتائج ومدى قدرة الفاعلين السياسيين على الإصغاء قبل الخطابة.

مشاركة المقال: in 𝕏 f
المقال التالي استمرار “الساعات التضامنية” بقطاع التعليم: قنبلة موقوتة تهدد السلم الاجتماعي المقال السابق رمضان على إيقاع الأسعار الملتهبة… هل فقد السوق توازنه؟
التعليقات
أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :‫‫عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

مقالات ذات صلة