شهدت فرنسا، يوم أمس الأحد، إجراء الجولة الأولى من الانتخابات البلدية التي تحولت إلى حدث سياسي بارز داخل المشهد الحزبي الفرنسي. حيث أظهرت النتائج الأولية تقدما ملحوظا لحزب التجمع الوطني المنتمي إلى اليمين المتطرف في عدد من المدن. في مقابل بروز أداء قوي وغير متوقع لحزب فرنسا الأبية اليساري الراديكالي في مدن أخرى.
وتأتي هذه الانتخابات في سياق سياسي حساس. إذ ينظر إليها العديد من المراقبين باعتبارها مؤشرا مبكرا على توازنات القوى السياسية قبل الانتخابات الرئاسية المرتقبة في عام 2027. كما شكلت هذه الجولة محطة أولى ستحدد ملامح التحالفات السياسية التي قد تتشكل قبل الجولة الثانية من الاقتراع.
وأظهرت النتائج الأولية تقدما واضحا لمرشحي حزب التجمع الوطني في عدة مناطق. ما يعكس توسع قاعدة الحزب الانتخابية على المستوى المحلي. وفي المقابل، تمكن حزب فرنسا الأبية من تحقيق نتائج لافتة في بعض المدن. الأمر الذي يعزز موقعه داخل معسكر اليسار ويمنحه زخما سياسيا قبل الاستحقاقات المقبلة.
وتتابع الأوساط السياسية والإعلامية الفرنسية نتائج الانتخابات في المدن الكبرى، وعلى رأسها باريس ومرسيليا، نظرا لما تمثله من ثقل سياسي وانتخابي.
وتشير التقديرات الأولية، في العاصمة باريس، إلى تقدم المرشح اليساري إيمانويل غريغوار بفارق مريح على منافسته رشيدة داتي. الوزيرة السابقة المنتمية إلى التيار اليميني، ما يمنح اليسار أفضلية نسبية قبل الجولة الحاسمة.
وتبدو المنافسة في مدينة مرسيليا الواقعة جنوب البلاد، أكثر احتداما بين رئيس البلدية الحالي بينوا بايان المدعوم من اليسار، ومرشح حزب التجمع الوطني فرانك أليسيو. وتوضح التقديرات أن كلا المرشحين حصلا على نسب متقاربة من الأصوات تقدر بنحو 35 في المائة لكل منهما. وهو ما يعكس تقدما واضحا لليمين المتطرف مقارنة بنتائج الانتخابات البلدية السابقة سنة 2020.
وتمكن رئيس الوزراء الأسبق إدوار فيليب من تحقيق تقدم مهم في الجولة الأولى في مدينة لوهافر شمال فرنسا. في خطوة تعزز حضوره السياسي وتغذي التكهنات بشأن طموحاته المحتملة في الترشح للانتخابات الرئاسية المقبلة.
الانتخابات المحلية تتحول إلى اختبار مبكر لرئاسيات 2027
ترى عدة تحليلات سياسية أن نتائج هذه الانتخابات المحلية تحمل دلالات تتجاوز الإطار البلدي. إذ تعكس تحولات في المزاج الانتخابي الفرنسي قبل الاستحقاق الرئاسي المنتظر بعد أكثر من عام.
ويطمح حزب التجمع الوطني إلى استثمار نتائجه لتعزيز حضوره في الإدارة المحلية. خاصة أن الحزب لا يزال يسعى إلى ترسيخ وجوده في البلديات الفرنسية بعد سنوات من التركيز على الانتخابات الوطنية.
وأعلن الحزب أنه تمكن من الاحتفاظ بعدد من البلديات منذ الجولة الأولى، في مؤشر اعتبره قادته دليلا على تنامي الدعم الشعبي له.
ورحبت زعيمة الحزب مارين لوبان من جهتها، بهذه النتائج. معتبرة أن حزبها يمتلك فرصا حقيقية لتحقيق انتصارات إضافية خلال الجولة الثانية المقررة في 22 مارس. خاصة في المدن التي يتقدم فيها مرشحو الحزب أو ينافسون بقوة.
ويرى اليمين المتطرف في هذه الانتخابات فرصة لتوسيع نفوذه السياسي على المستوى المحلي. بما قد يساعده على تعزيز موقعه في المشهد السياسي الوطني قبل الانتخابات الرئاسية.
ويأتي ذلك في ظل مشهد سياسي فرنسي يتسم بتعدد الأقطاب. حيث تتقاسم الساحة ثلاث كتل رئيسية تتمثل في اليسار ويمين الوسط واليمين المتطرف. مع استمرار الخلافات داخل بعض هذه المعسكرات.
وقدم حزب التجمع الوطني، في إطار هذه الاستراتيجية، عددا غير مسبوق من اللوائح الانتخابية. إذ شارك بما يقارب 650 قائمة انتخابية ضمن نحو 35 ألف بلدية عبر التراب الفرنسي.
وأكد رئيس الحزب جوردان بارديلا أن مرشحي الحزب سيواصلون المنافسة في كل الدوائر التي تأهلوا فيها إلى الجولة الثانية. مشيرا إلى أن الحزب لا يستبعد إمكانية التعاون مع بعض القوى اليمينية في حالات معينة.
مفاجآت اليسار الراديكالي تعيد خلط الأوراق
وتمكن حزب فرنسا الأبية، على الضفة الأخرى من المشهد السياسي، من تحقيق نتائج لافتة في بعض المدن. ما أعاد رسم ملامح المنافسة داخل معسكر اليسار.
وسجلت مرشحة الحزب لهوارية عدوش حضورا قويا في السباق الانتخابي ففي مدينة ليل شمال فرنسا. حيث تنافس رئيس البلدية الاشتراكي أرنو ديلاند بعد حصول كل منهما على نسب متقاربة من الأصوات تقدر بنحو 25 في المائة.
كما حقق النائب عن الحزب ديفيد غيرو نتيجة مهمة في مدينة روبيه. حيث حصد نحو 45 في المائة من الأصوات في الجولة الأولى. وفي حال تمكن من الفوز في الجولة الثانية، ستصبح المدينة التي يقطنها حوالي 98 ألف نسمة أكبر بلدية يديرها الحزب.
وتعكس هذه النتائج تنامي حضور حزب فرنسا الأبية في عدد من المناطق الحضرية. خاصة في المدن التي تعاني من تحديات اجتماعية واقتصادية مثل البطالة والفقر وأزمات السكن.
وعبر بعض الناخبين عن رغبتهم في تغيير السياسات المحلية. ففي مدينة روبية، قالت إحدى الناخبات إن المدينة بحاجة إلى إدارة قادرة على مواجهة مشاكل الفقر، والانحراف، وصعوبات السكن، والتعليم.
التحالفات السياسية ترسم ملامح الجولة الثانية
ودخلت الأحزاب السياسية، مع اقتراب الجولة الثانية من الانتخابات، مرحلة مفاوضات مكثفة لتحديد شكل التحالفات الممكنة التي قد ترجح كفة بعض المرشحين.
ويملك المرشحون المتأهلون مهلة حتى يوم الثلاثاء لاتخاذ قرار بشأن الاستمرار في المنافسة أو الانسحاب أو تشكيل تحالفات مع قوائم أخرى. غير أن الوضع يبدو أكثر تعقيدا داخل معسكر اليسار. حيث لا تزال الخلافات قائمة بين الحزب الاشتراكي وحزب فرنسا الأبية. وهو ما قد يؤثر على فرص اليسار في بعض المدن.
وأعلن منسق حزب فرنسا الأبية مانويل بومبار، في هذا السياق، أن حزبه مستعد للتعاون مع باقي قوى اليسار في المدن التي يشكل فيها اليمين أو اليمين المتطرف تهديدا حقيقيا.
كما أبدت زعيمة حزب الخضر مارين تونديلييه استعدادها لدعم هذا التوجه. داعية إلى توحيد الجهود من أجل منع صعود اليمين المتطرف.
ولا يبدو الحزب الاشتراكي، في المقابل، متحمسا لفكرة التحالف مع فرنسا الأبية على المستوى الوطني. خاصة في ظل التوتر السياسي بين الطرفين.
وحاولت الحكومة الفرنسية، من جهتها، التقليل من الطابع الوطني لهذه الانتخابات. مؤكدة أنها تظل في الأساس استحقاقا محليا يتعلق بإدارة البلديات. كما دعت الوزراء إلى تجنب التعليق السياسي الواسع حول نتائج الاقتراع. باستثناء أولئك المشاركين مباشرة في السباق الانتخابي.
وستجرى الجولة الثانية من الانتخابات البلدية في 22 مارس. حيث سيختار الناخبون أعضاء المجالس البلدية الذين سيتولون إدارة البلديات لمدة ست سنوات.















