يستعد المغرب، في ظل التحولات العميقة التي يشهدها قطاع السياحة عالميا، بفعل التطور التكنولوجي المتسارع، وتصاعد متطلبات الاستدامة، وتغيّر سلوكيات وتطلعات المسافرين، للدخول في مرحلة جديدة من التخطيط الاستراتيجي تهدف إلى إحداث نقلة نوعية في العرض السياحي الوطني. خطوة تقودها الشركة المغربية للهندسة السياحية، وتراهن من خلالها المملكة على الابتكار كمدخل أساسي لتعزيز التنافسية وترسيخ موقعها كوجهة سياحية مرجعية على الصعيد الدولي.
تحولات عالمية تفرض إعادة التفكير في النموذج السياحي
ولم يعد النجاح السياحي اليوم مرتبطا فقط بعدد الوافدين، بل بقدرة الوجهات على تقديم تجارب متكاملة، ذكية ومستدامة. السياحة العالمية تتجه نحو نماذج جديدة تقوم على الرقمنة، والسياحة البيئية، والتجارب الثقافية الأصيلة، ما يفرض على الدول إعادة النظر في نماذجها التقليدية. وفي هذا السياق، يدرك المغرب أن الحفاظ على جاذبيته السياحية يمر عبر استباق هذه التحولات بدل الاكتفاء بمواكبتها.
دراسة استراتيجية لبناء عرض سياحي مبتكر
وتستعد الشركة المغربية للهندسة السياحية لإطلاق دراسة استراتيجية طموحة تروم إعداد محفظة من المشاريع السياحية المبتكرة، القادرة على تحديث العرض الوطني وجذب الاستثمارات ذات القيمة المضافة. وتهدف هذه الدراسة إلى تحديد مفاهيم سياحية جديدة، وربما غير تقليدية، تستجيب لحاجيات المسافرين الحالية والمستقبلية، مع الحفاظ على روح الهوية المغربية وخصوصيتها الثقافية.
انسجام مع خارطة الطريق السياحية 2023–2026
وتندرج هذه المبادرة في صلب خارطة الطريق السياحية 2023–2026، التي تسعى إلى تنويع المنتوج السياحي الوطني، وتحسين جودته، وضمان استدامته. ويراهن من خلالها على الانتقال من منطق الترويج الكمي إلى منطق القيمة والتجربة، عبر تطوير عروض سياحية قادرة على إطالة مدة الإقامة، ورفع مستوى الإنفاق، وتوزيع النشاط السياحي بشكل أكثر توازناً عبر مختلف جهات المملكة.
التمويل والمواكبة… من الفكرة إلى الإنجاز
ويشمل المشروع، الذي لا يقتصر على بلورة الأفكار فقط، وضع آليات عملية للدعم والتمويل، تمكن من تحويل المفاهيم المبتكرة إلى مشاريع قابلة للتنفيذ. وستتوج الدراسة بإعداد خطة عمل واضحة، تُعرض على حاملي المشاريع والمستثمرين، مرفقة بمنظومة مواكبة تتكامل مع برامج الدعم المعتمدة حالياً، بما يضمن تنزيل هذه المشاريع على أرض الواقع واستدامتها.
رهان استراتيجي لتعزيز موقع المغرب سياحياً
وتشكل هذه المبادرة فرصة استراتيجية للمغرب ليس فقط لمواجهة تحديات المرحلة الراهنة، بل لبناء تموقع مستقبلي قوي في خريطة السياحة العالمية. فمن خلال تبني الابتكار، والاستثمار في مشاريع ذات بعد مستدام وشمولي، يسعى المغرب إلى تعزيز تنافسيته، والارتقاء بعرضه السياحي، والتحول إلى قطب إقليمي، وربما دولي، في مجال السياحة المبتكرة.
ويبعث المغرب، بهذا التوجه، برسالة واضحة: السياحة لم تعد مجرد قطاع اقتصادي، بل رافعة تنموية استراتيجية، تبنى برؤية مستقبلية، وتدار بمنطق الابتكار والاستدامة.






