الحدث بريس : متابعة
لم تعد الحروب والنزاعات العسكرية شأنا يخص أطرافها المباشرين فقط، بل أصبحت تداعياتها تمتد إلى كل بيت وكل مستهلك في مختلف أنحاء المعمورة. ومن هذا المنطلق، فإن أي بوادر تهدئة بين إيران وإسرائيل لا يمكن النظر إليها باعتبارها مجرد حدث سياسي أو دبلوماسي، بل باعتبارها فرصة حقيقية لالتقاط أنفاس الاقتصاد العالمي المنهك أصلا بسلسلة من الأزمات المتلاحقة.
لقد أثبتت السنوات الأخيرة أن الأسواق المالية وأسعار الطاقة والتجارة الدولية تتأثر بسرعة كبيرة بالتوترات الجيوسياسية. فمجرد التلويح بإغلاق مضيق هرمز أو استهداف منشآت الطاقة كفيل بإرباك الأسواق العالمية ورفع تكاليف النقل والتأمين وإشعال موجات جديدة من التضخم. وفي المقابل، فإن لغة الحوار والتهدئة تمنح المستثمرين والأسواق جرعة من الثقة، وتعيد شيئا من الاستقرار إلى حركة التجارة والاقتصاد.
لا يحتاج العالم اليوم إلى حرب جديدة في الشرق الأوسط، بل يحتاج إلى حلول للأزمات المتراكمة التي تثقل كاهل الحكومات والشعوب. فمستويات الدين العالمي بلغت أرقاماً قياسية، والعديد من الاقتصادات لا تزال تعاني من آثار جائحة كورونا والحرب الروسية الأوكرانية، فيما تواجه الدول النامية تحديات متزايدة مرتبطة بالأمن الغذائي وارتفاع تكاليف المعيشة.
صحيح أن الخلافات السياسية والأمنية بين إيران وإسرائيل عميقة ومعقدة، لكن استمرار التصعيد لا يخدم سوى حالة عدم اليقين التي تعيشها الأسواق العالمية. أما التهدئة، حتى وإن كانت مؤقتة، فإنها تفتح الباب أمام استقرار أسعار النفط وتخفيف الضغوط التضخمية، وهو ما ينعكس إيجابا على الاقتصاد العالمي بأسره.
إن الرابح الأكبر من أي اتفاق أو تفاهم يحد من التوتر في المنطقة لن يكون طرفا بعينه، بل ملايين المواطنين حول العالم الذين يدفعون ثمن الحروب من قدرتهم الشرائية ومستوى معيشتهم. ولهذا فإن الدبلوماسية ليست فقط أداة لحفظ الأمن والسلم، بل أصبحت ضرورة اقتصادية عالمية لا تقل أهمية عن أي إصلاح مالي أو خطة إنعاش اقتصادي.
ويبقى الأمل قائما في أن تنتصر لغة العقل على منطق المواجهة، لأن استقرار العالم اقتصاديا بات مرتبطا أكثر من أي وقت مضى باستقرار بؤر التوتر السياسي والعسكري.