اعتبرت “فدرالية اليسار الديمقراطي” أن التقرير السنوي الصادر عن المجلس الأعلى للحسابات تحول إلى ما يشبه “وثيقة إدانة سياسية وإدارية” تكشف حجم الأعطاب التي ما تزال تعاني منها السياسات العمومية بالمغرب، رغم تضخم الميزانيات المخصصة لعدد من الأوراش الاستراتيجية، وتوالي البرامج الحكومية التي رُوّج لها خلال السنوات الأخيرة باعتبارها مدخلا لتحقيق التنمية الاجتماعية والاقتصادية.
وأكدت فاطمة التامني، النائبة البرلمانية عن “فدرالية اليسار الديمقراطي”. خلال جلسة عمومية عقدها مجلس النواب، اليوم الثلاثاء، لمناقشة العرض السنوي للمجلس الأعلى للحسابات. أن المؤشرات الواردة في التقرير تكشف بشكل واضح أن الحكومة لم تنجح بعد في تحويل الوعود المعلنة إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن المغربي في حياته اليومية.
وأضافت المتحدثة ذاتها أن التقارير الرسمية لم تعد تخفي حجم الاختلالات البنيوية التي تعيق فعالية البرامج العمومية. معتبرة أن ارتفاع الاعتمادات المالية لا ينعكس بالضرورة على جودة الخدمات أو على تحسين الظروف الاجتماعية للفئات المتضررة، وهو ما يطرح، بحسب تعبيرها، أسئلة حقيقية حول الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
المجلس الأعلى للحسابات.. انتقادات لورش الطاقات المتجددة وتدبير الماء
وفي حديثها عن قطاع الطاقات المتجددة، شددت التامني على أن المغرب. رغم ما راكمه من مشاريع كبرى في هذا المجال، ما يزال عاجزا عن تحقيق الأثر المباشر على مستوى معيش المواطنين. خصوصا في ما يتعلق بتخفيف أعباء فاتورة الكهرباء وتعزيز السيادة الطاقية الوطنية.
وأوضحت البرلمانية أن استمرار التأخر في تنزيل عدد من المشاريع، إلى جانب ما وصفته بـ”هيمنة منطق الصفقات وضعف الحكامة”. يطرح علامات استفهام بشأن المردودية الحقيقية لهذا الورش الاستراتيجي، مؤكدة أن المواطن البسيط لا يلمس إلى حدود الساعة أي انعكاس إيجابي واضح لهذه الاستثمارات الكبرى على قدرته الشرائية.
وفي السياق ذاته، انتقدت المتحدثة طريقة تدبير ملف الماء. معتبرة أن التقرير السنوي للمجلس الأعلى للحسابات يعكس وجود تفاوتات مجالية حادة واختلالات متواصلة في توزيع الموارد المائية بين الجهات.
وتساءلت التامني عن كيفية استمرار “الهدر المائي” في عدد من المناطق. في الوقت الذي تواجه فيه ساكنة مدن وقرى عديدة خطر العطش وارتفاع فواتير الماء. مبرزة أن الوضع الحالي يكشف غياب عدالة مائية حقيقية بين مختلف مناطق المملكة.
وأضافت أن أزمة الماء لم تعد مجرد إشكال ظرفي مرتبط بالجفاف فقط. بل أصبحت مرتبطة أيضا بطريقة التدبير ونجاعة السياسات العمومية. داعية الحكومة إلى تبني رؤية أكثر عدلا وفعالية في توزيع الموارد وضمان الحق في الولوج إلى الماء.
الحماية الاجتماعية والعدالة الضريبية تحت المجهر
وعلى مستوى ورش الحماية الاجتماعية، اعتبرت البرلمانية ذاتها أن الحكومة ركزت بشكل كبير على الأرقام والإعلانات المرتبطة بالتعميم. دون أن يواكب ذلك تطوير حقيقي للبنيات الصحية والخدمات الاجتماعية الضرورية.
وأكدت التامني أن عددا من المواطنين جرى تسجيلهم ضمن منظومة الحماية الاجتماعية. غير أن ذلك لم ينعكس، وفق تعبيرها، على جودة الخدمات الصحية أو على سهولة الولوج إلى العلاج. في ظل استمرار الخصاص في الموارد البشرية والتجهيزات الطبية بالمستشفيات العمومية.
وأشارت إلى أن الإشكال لا يرتبط فقط بعملية التعميم الإداري، بل يهم كذلك مدى استدامة التمويل وضمان استمرارية هذا الورش الاجتماعي على المدى المتوسط والبعيد. متسائلة عما إذا كانت البلاد تتجه فعلا نحو “حماية اجتماعية حقيقية” أم أن الأمر لا يعدو أن يكون مجرد أرقام تستعمل للاستهلاك السياسي والتواصل الحكومي.
وفي الشق الاقتصادي، توقفت البرلمانية عند المعطيات المتعلقة بارتفاع المداخيل الجبائية. معتبرة أن النقاش الأساسي لا ينبغي أن يقتصر على حجم المداخيل المحققة. وإنما يجب أن يمتد إلى طبيعة النظام الضريبي ومدى تحقيقه للعدالة بين مختلف الفئات الاجتماعية والاقتصادية.
وأوضحت أن الضغط الجبائي ما يزال، بحسب تقديرها، يتركز أساسا على الأجراء والمقاولات المهيكلة، في مقابل استمرار التهرب الضريبي واستفادة بعض الجهات من امتيازات غير مبررة. وهو ما يساهم في تعميق الفوارق الاجتماعية ويؤثر على مبدأ تكافؤ الفرص.
كما أكدت أن مناخ الاستثمار بالمغرب ما يزال يعاني، وفق تعبيرها، من اختلالات مرتبطة بالاحتكار وتضارب المصالح وضعف الشفافية. معتبرة أن المقاولات الصغرى والمتوسطة والصغيرة جدا تجد نفسها في وضعية غير متكافئة داخل السوق الوطنية، الأمر الذي يحد من قدرتها على المنافسة وخلق فرص الشغل.
وختمت التامني مداخلتها بالتأكيد على أن المرحلة الحالية تقتضي مراجعة عميقة لأولويات السياسات العمومية. وربط الإنفاق العمومي بالنتائج الفعلية، مع تعزيز آليات المراقبة والمحاسبة. حتى تستعيد المؤسسات العمومية ثقة المواطنين وتتحول المشاريع الكبرى إلى مكاسب حقيقية يشعر بها المغاربة في حياتهم اليومية.






