حمّلت ألمانيا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مسؤولية التباطؤ الاقتصادي الذي تشهده ألمانيا، بسبب ما وصفه بـ”الحرب غير المسؤولة” التي خاضتها واشنطن ضد إيران، معتبرا أن السياسات الأمريكية الأخيرة فجّرت “صدمة طاقة عالمية” انعكست بشكل مباشر على الاقتصاد الأوروبي.
وقال المسؤول الألماني، في تصريحات من العاصمة برلين، إن الإجراءات التي اتخذتها إدارة ترامب خلال المواجهة مع إيران أدت إلى تراجع كبير في توقعات الإيرادات الضريبية لبلاده، مؤكدا أن تداعيات الحرب لم تتوقف عند حدود الشرق الأوسط، بل امتدت لتضرب الاقتصادات الصناعية الكبرى، وعلى رأسها الاقتصاد الألماني.
وفي هذا السياق، خفّضت السلطات الألمانية تقديرات إيرادات الضرائب للفترة الممتدة ما بين 2026 و2030 بحوالي 82 مليار دولار. في خطوة تعكس حجم الضغوط التي يواجهها أكبر اقتصاد في أوروبا وسط استمرار اضطراب أسواق الطاقة وتراجع ثقة المستثمرين.
وأضاف كلينغبايل أن هذا التخفيض “يكشف بوضوح حجم الضرر الذي ألحقته الحرب في إيران باقتصادنا”. مشيرا إلى أن الارتفاع الحاد في تكاليف الطاقة وتراجع الطلب العالمي فاقما من حالة الركود التي تعانيها ألمانيا منذ سنوات.
توتر متصاعد بين ألمانيا والولايات المتحدة
في المقابل، لم تتوقف الخلافات السياسية بين ألمانيا والولايات المتحدة عند حدود الملف الاقتصادي. بل امتدت إلى تبادل انتقادات حادة بين المستشار الألماني فريدريش ميرتس والرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
وكان ميرتس قد أثار غضب البيت الأبيض الشهر الماضي بعدما اعتبر أن واشنطن تعرضت لـ”الإذلال” خلال مفاوضاتها مع إيران، متهما الإدارة الأمريكية بعدم امتلاك رؤية استراتيجية واضحة للتعامل مع الأزمة.
وقال المستشار الألماني، خلال لقاء مع طلبة جامعيين، إن “الأمريكيين لا يملكون بوضوح أي استراتيجية”. مضيفا أنه لا يرى “أي مخرج استراتيجي” تسعى واشنطن إلى تحقيقه في المنطقة.
كما اتهم ميرتس المفاوضين الإيرانيين بإتقان سياسة “عدم التفاوض”. موضحا أنهم يتركون المسؤولين الأمريكيين ينتقلون بين العواصم دون تحقيق أي نتائج ملموسة، معتبرا أن الولايات المتحدة تعرضت للإحراج أمام القيادة الإيرانية.
وفي رد سريع، هاجم ترامب المستشار الألماني عبر منصة “تروث سوشال”. معتبرا أن تصريحات ميرتس توحي وكأنه “لا يمانع امتلاك إيران سلاحا نوويا”، مضيفا أن المسؤول الألماني “لا يعرف عمّا يتحدث”.
ولم يكتف الرئيس الأمريكي بذلك، بل وجّه انتقادات لاذعة للوضع الاقتصادي في ألمانيا. قائلا إن “ليس من الغريب أن تكون ألمانيا في هذا الوضع السيئ اقتصاديا”. قبل أن يدعو ميرتس إلى التركيز على “إصلاح بلده المتهالك”، خاصة في ملفات الهجرة والطاقة.
سحب الجنود الأمريكيين يزيد الأزمة تعقيدا
وفي خضم هذا التوتر السياسي، أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية، في وقت سابق من هذا الشهر. خطة لسحب نحو 5 آلاف جندي أمريكي من القواعد العسكرية الموجودة في ألمانيا. في قرار فهم على نطاق واسع باعتباره رسالة ضغط مباشرة من إدارة ترامب على برلين.
وجاء هذا القرار بعد أيام قليلة فقط من التصريحات التي أدلى بها ميرتس ضد السياسة الأمريكية في إيران. ما زاد من حدة المخاوف داخل الأوساط السياسية الأوروبية بشأن مستقبل العلاقات عبر الأطلسي.
ومنذ وصوله إلى المستشارية قبل عام، حرص فريدريش ميرتس على التأكيد في أكثر من مناسبة أن سياسات ترامب غيّرت طبيعة العلاقة التقليدية التي كانت تجمع أوروبا بالولايات المتحدة لعقود طويلة.
وفي فبراير الماضي، صرح ميرتس بأن “هوة عميقة انفتحت بين أوروبا والولايات المتحدة”. في إشارة إلى تنامي الخلافات السياسية والاقتصادية بين الجانبين. رغم محاولاته المتكررة احتواء التوتر من خلال زيارتين إلى البيت الأبيض خلال أقل من عام.
وتأتي هذه التطورات في وقت تواجه فيه ألمانيا وضعا اقتصاديا معقدا بسبب استمرار الركود وارتفاع أسعار الطاقة وضعف الصادرات الصناعية. وهي عوامل تفاقمت بشكل أكبر بعد الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران نهاية فبراير الماضي. والتي أثارت مخاوف عالمية من أزمة اقتصادية واسعة النطاق.
ويرى مراقبون أن التصعيد الكلامي المتبادل بين برلين وواشنطن يعكس حجم التصدع الذي أصاب العلاقات الغربية في السنوات الأخيرة. خاصة مع تزايد الخلافات حول ملفات الطاقة والأمن والحروب في الشرق الأوسط. وسط مخاوف أوروبية من أن تتحول تداعيات هذه الأزمات إلى عبء اقتصادي طويل الأمد على القارة العجوز.






