لم تعد الرهانات مجرد نشاط ترفيهي محصور في الكازينوهات أو مباريات الرياضة، بل انتقلت في السنوات الأخيرة إلى مستوى أكثر خطورة، حيث باتت تمس أكثر الملفات حساسية في العالم: السياسة الدولية ومصائر الدول. فقد أصبح البعض يراهن على سقوط حكومات، وأعمار قادة، بل وحتى على توقيت الحروب والاغتيالات، في مشهد يعكس تحولا عميقا في طبيعة الأسواق المالية الحديثة.
وفي هذا السياق، تحولت الأزمات الجيوسياسية إلى فرص للمضاربة، حيث نشأت منظومة مالية موازية تتغذى على الفوضى، وتستثمر في عدم الاستقرار لتحقيق أرباح سريعة.
رهانات تسبق الأحداث.. إيران نموذجا
في مثال لافت، كشفت تطورات مرتبطة بإيران كيف باتت المراهنات تتداخل بشكل مباشر مع الأحداث الجيوسياسية. فقد شهدت منصات التنبؤ العالمية، وعلى رأسها منصة “Polymarket”، نشاطا غير مسبوق قبيل الإعلان عن مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي، خلال تصعيد عسكري مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
وقبل الإعلان الرسمي بنحو ساعة و11 دقيقة فقط، وضع أحد المستخدمين رهانا دقيقا يتوقع وقوع ضربة تؤدي إلى إزاحة خامنئي، محققا أرباحا تجاوزت نصف مليون دولار. كما تبين أن عدة حسابات حديثة الإنشاء راهنت على السيناريو نفسه قبل ساعات قليلة من وقوعه، لتجني مجتمعة أرباحا قاربت 1.2 مليون دولار.
وأثار هذا التوقيت الدقيق موجة من التساؤلات، خاصة أن الرهانات لم تكن عامة، بل تضمنت توقيتات محددة واحتمالات دقيقة، ما فتح الباب أمام فرضيات تتعلق بتسريب معلومات حساسة أو ما يعرف بالتداول الداخلي.
تضخم سوق الرهانات على مستقبل الدول
لم تتوقف هذه الموجة عند حدود الحدث، بل استمرت بعدها بوتيرة متسارعة. فقد تجاوزت قيمة الرهانات المرتبطة بإيران مليار دولار، توزعت بين توقعات توقيت الهجمات، ومستقبل النظام السياسي، وهوية المرشد الجديد. وحتى احتمالات إغلاق مضيق هرمز أو تدخل عسكري بري.
وبذلك، لم تعد هذه الأسواق مجرد أدوات للتوقع. بل تحولت إلى فضاءات مفتوحة للمضاربة على السيناريوهات الأكثر خطورة، بما في ذلك الحروب والانهيارات السياسية.
جدل قانوني وسياسي متصاعد
في المقابل، أثارت هذه الظاهرة ردود فعل قوية داخل الولايات المتحدة. حيث اعتبر عدد من السياسيين أن هذه الأسواق تمثل خطرا أخلاقيا وقانونيا.
فقد انتقد السيناتور كريس ميرفي هذه الممارسات، معتبرا أنه من غير المقبول تحقيق أرباح من الحرب والموت. كما دعا إلى تشريع عاجل لمنع هذا النوع من المراهنات. من جهته، شدد النائب مايك ليفين على ضرورة فرض رقابة صارمة. محذرا من تحول المعرفة المسبقة بالعمليات العسكرية إلى وسيلة للربح.
كما اعتبرت مسؤولة سابقة في هيئة الأوراق المالية أن هذه الأسواق قد تشجع بشكل غير مباشر على تسريب معلومات حساسة أو حتى التأثير في مجريات الأحداث.
ورغم ذلك، يظل الإطار القانوني معقدا، إذ تصنف بعض هذه الرهانات كعقود آجلة تخضع لهيئات تنظيمية. في حين تحظر القوانين الأمريكية المراهنة على الموت أو الحروب بشكل مباشر، لما قد تخلقه من حوافز للعنف.
منصات تحت المجهر.. بين التنظيم والالتفاف
في ظل هذا الجدل، حاولت بعض المنصات التكيف مع القيود القانونية. فعلى سبيل المثال، قامت منصة “Kalshi”، الخاضعة للتنظيم الفيدرالي، بتعليق التداول على سوق مرتبط بإزاحة خامنئي بعد تأكيد مقتله. مع إعادة جزء من الأموال للمتداولين.
وأكدت المنصة أنها تتجنب عرض رهانات مرتبطة مباشرة بالموت. وتعمل على تصميم قواعد تحد من الاستفادة من مثل هذه السيناريوهات. غير أن منتقدين يرون أن هذه الإجراءات تظل غير كافية.
سوابق مقلقة في الرهانات.. من إيران إلى فنزويلا
لا تقتصر هذه الظاهرة على الحالة الإيرانية فقط، إذ سبق أن شهدت منصات التنبؤ رهانات مشابهة في سياقات أخرى. ففي بداية 2026، حقق متداول مجهول أرباحا كبيرة بعد رهانه على اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو. قبل أيام قليلة من وقوع الحدث.
وقد زادت دقة التوقعات، إلى جانب حداثة الحساب، من الشكوك حول وجود معلومات داخلية. خاصة أن نشاط الحساب كان يركز حصريا على الشأن الفنزويلي.
نحو “كازينو الجيوسياسية”
في ضوء هذه التطورات، يبدو أن العالم يتجه نحو مرحلة جديدة. تتحول فيها السياسة الدولية إلى ما يشبه “كازينو مفتوح”. حيث توضع رهانات بمليارات الدولارات على أحداث قد تغير موازين القوى العالمية.
وبينما يرى البعض أن هذه الأسواق تعكس “حكمة الجماهير” وتوفر مؤشرات استباقية. يحذر آخرون من مخاطرها، خاصة إذا ما تحولت إلى حوافز لتسريب المعلومات أو التأثير في مسار الأحداث.
وفي النهاية، يبقى السؤال مطروحا: هل ستنجح القوانين في مواكبة هذا التحول. أم أن الجيوسياسة ستظل رهينة لمنطق المضاربة والربح السريع؟















