رفعت السلطات الإيرانية منسوب التحذير تجاه أي تحرك احتجاجي محتمل في الشارع خلال المرحلة الحالية. وجاء هذا التصعيد بعد دعوات إسرائيلية وأمريكية طالبت الإيرانيين بالانتفاض ضد قيادة الجمهورية الإسلامية. وفي موقف شديد اللهجة، أكد قائد الشرطة الإيرانية أحمد رضا رادان أن الأجهزة الأمنية لن تتسامح مع من يستجيب لما وصفه بنداءات العدو. وقال إن أي شخص يخرج إلى الشارع بناء على تلك الدعوات لن يعامل كمحتج، بل كعدو ستتم مواجهته على هذا الأساس. وأضاف أن قوات الأمن توجد في حالة تأهب كاملة، وأن عناصرها جاهزون للتدخل الفوري عند أي تحرك ميداني.
وتعكس هذه التصريحات توجها أمنيا صارما من جانب طهران في التعامل مع أي احتجاجات جديدة. كما تكشف حجم القلق الرسمي من احتمال تفاعل الشارع مع الدعوات الخارجية المتصاعدة. ويأتي هذا الخطاب في لحظة سياسية وأمنية شديدة الحساسية، تتداخل فيها الضغوط الداخلية مع التوتر الإقليمي المتصاعد. ويبدو أن السلطات الإيرانية تسعى إلى توجيه رسالة ردع مبكرة، هدفها منع تشكل أي موجة احتجاج قبل بدايتها. كما تحاول قطع الطريق أمام أي تعبئة شعبية قد تستفيد من التوتر القائم مع خصوم إيران.
وصعد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في المقابل، من خطابه ضد النظام الإيراني. ووجه رسالة مباشرة إلى الإيرانيين دعاهم فيها إلى التمرد على حكومتهم. ووصف الحرب التي تخوضها إسرائيل والولايات المتحدة بأنها حرب تاريخية من أجل الحرية. وقال إن هذه اللحظة تمثل فرصة نادرة لإسقاط نظام آية الله. كما أضاف أن المساعدة التي طلبها الإيرانيون قد وصلت بالفعل، في إشارة إلى الضربات الأمريكية والإسرائيلية.
نتنياهو وترامب يرفعان منسوب الضغط على طهران
ولم تتوقف الدعوات الخارجية عند الخطاب الإسرائيلي وحده، بل امتدت أيضا إلى الموقف الأمريكي. فقد شجع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الإيرانيين مرارا على اعتبار الهجمات فرصة للإطاحة بالقيادة في طهران. وتنظر إيران إلى هذه التصريحات باعتبارها تدخلا مباشرا في شؤونها الداخلية. كما تراها جزءا من حملة ضغط سياسي ونفسي، تستهدف زعزعة الاستقرار الداخلي ودفع الشارع نحو المواجهة مع مؤسسات الدولة.
وتخشى السلطات الإيرانية من أن تلتقي هذه الدعوات الخارجية مع حالة التذمر الاجتماعي داخل البلاد. فإيران تعيش منذ سنوات تحت ضغط اقتصادي متزايد، انعكس على مستويات المعيشة والقدرة الشرائية للمواطنين. وقد سبق أن شهدت البلاد احتجاجات واسعة على خلفية هذه الأوضاع، ما جعل أي خطاب خارجي موجها إلى الداخل الإيراني مصدر قلق أمني مباشر لدى السلطة.
ويأتي تحذير قائد الشرطة بعد أشهر من حملة أمنية طالت متظاهرين مناهضين للحكومة. وكانت تلك التحركات قد اندلعت على خلفية الأزمة الاقتصادية وتدهور الأوضاع الاجتماعية. وردت السلطات آنذاك بوصف المظاهرات بأنها أعمال شغب، لا احتجاجات ذات مطالب مشروعة. كما منح أحمد رضا رادان المحتجين مهلة ثلاثة أيام لتسليم أنفسهم، معتبرا أن ذلك شرط لأي تساهل في التعامل معهم.
ويشير هذا المسار إلى أن المقاربة الأمنية ما تزال الخيار الأول لدى الدولة الإيرانية. كما يعكس تمسك مؤسسات الحكم بسياسة الردع في مواجهة أي حراك شعبي واسع. ويرى متابعون أن استحضار هذا الخطاب اليوم ليس أمرا معزولا، بل يندرج ضمن سياسة استباقية لمنع عودة الاحتجاجات إلى الشارع.
تضارب في حصيلة الضحايا وتزايد المخاوف من تصعيد جديد
وتتباين الأرقام المتعلقة بحصيلة الضحايا الذين سقطوا خلال الاحتجاجات والحملة الأمنية التي أعقبتها. فقد أقرت السلطات الإيرانية بسقوط أكثر من ثلاثة آلاف قتيل، بينهم عناصر من قوات الأمن ومارة. وأكدت أن جانبا من العنف كان نتيجة ما وصفته بأعمال إرهابية غذتها أطراف معادية لإيران. في المقابل، قدمت منظمات حقوقية أرقاما أعلى بكثير من الحصيلة الرسمية المعلنة.
وأفادت وكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان “هرانا” بأن عدد القتلى تجاوز سبعة آلاف شخص. وقالت إن معظم الضحايا كانوا من المتظاهرين الذين سقطوا خلال الحملة الأمنية. كما رجحت أن تكون الحصيلة الفعلية أعلى من ذلك بكثير. وأضافت أن عدد الموقوفين تجاوز خمسين ألف شخص، في واحدة من أكبر حملات الاعتقال المرتبطة بالاحتجاجات في البلاد.
ويبرز هذا التفاوت الكبير في الأرقام حجم الخلاف حول حقيقة ما جرى داخل إيران. فالسلطات تصر على أن الأحداث كانت اضطرابات غذتها جهات خارجية معادية. بينما تؤكد المنظمات الحقوقية أن ما حدث كان قمعا واسعا لتحركات شعبية معارضة. وفي ظل هذا التناقض، يبقى الوضع الداخلي الإيراني مفتوحا على عدة احتمالات، خاصة مع استمرار التوتر الخارجي وتصاعد الخطاب التحريضي من خصوم طهران.
ويبدو أن التحذير الأخير ليس مجرد موقف إعلامي عابر، بل رسالة سياسية وأمنية واضحة. فطهران تريد التأكيد أنها لن تسمح بتكرار سيناريوهات الاحتجاج السابقة، مهما كانت الظروف المحيطة. ومع تصاعد الضغوط الخارجية وتفاقم الأزمات الداخلية، تتجه الأنظار إلى الشارع الإيراني، حيث تبدو المرحلة المقبلة محكومة بمزيد من الحذر والتوتر.















