الخميس 17 شتنبر 2026
آخر الأخبار
أونسا يحذر المغاربة.. هذه شروط اقتناء وحفظ لحوم الدواجن بشكل آمن ملف الصحراء.. اليونان وكولومبيا تعززان أوراق المغرب قبل قرار مجلس الأمن ميراج إماراتية في طريقها إلى المغرب.. صفقة تعزز قوة سلاح الجو الملكي لقجع يكشف كواليس دخوله السياسة ويحسم موقفه من قيادة «البام»  وهبي يكشف الخميس عن قائمة الأسود لمواجهتي الغابون وليسوتو تقرير صادم من إسبانيا.. ربع السكان مهددون بالفقر والإقصاء الاجتماعي فيدرالية ناشري الصحف تلوّح بمقاطعة تشكيل المجلس الوطني للصحافة وسحب ملفات ترشيحها البرامج الحزبية تحت المجهر.. منصات التواصل تكشف انتظارات الناخبين المجلس الوطني للصحافة.. عندما يتحول الإقصاء إلى أزمة ثقة داخل المشهد الإعلامي المغربي انتخابات المجلس الوطني للصحافة.. 49% من الصحافيين يصوتون و7 أسماء تحسم المقاعد 23 قضية اعتداء جنسي بسبتة.. سجن احتياطي لمهاجر مغربي متهم بالتحرش بقاصر غانا تصفع البوليساريو وتقطع الطريق على التأويلات
مجتمع

تحت أسقف الطين.. لماذا يرفض سكان “قصر كلميمة” مغادرة بيوتهم الآيلة للسقوط؟

بقلم الحدث بريس... 25 يناير، 2026 18:54
تحت أسقف الطين.. لماذا يرفض سكان “قصر كلميمة” مغادرة بيوتهم الآيلة للسقوط؟

حين تغيب الشمس وراء قمم الأطلس الكبير، يرتدي “قصر كلميمة” (إغرم ن إيكلميمن) حلة من الذهب القديم. هناك، في قلب واحة غريس، لا يبدو الزمن مجرد أرقام على ساعة، بل هو طبقات من الطين والتبن تراكمت عبر القرون لتشكل واحداً من أعرق القصور في الجنوب الشرقي المغربي. لكن خلف هذا المشهد الشاعري، تقبع تراجيديا صامتة؛ أسقف تتهاوى، وجدران تتآكل، وسكان يرفضون بشدة فكرة “الرحيل” رغم تحذيرات السلطات وخطر الموت تحت الأنقاض.

عبق التاريخ وهشاشة الحاضر

يعتبر قصر كلميمة نموذجاً حياً للمعمار الواحي الأصيل. هندسته ليست مجرد رص للأحجار، بل هي فلسفة عيش. فالأزقة المغطاة توفر ظلاً بارداً في قيظ الصيف، والجدران السميكة المبنية بتقنية “التابوت” (الطين المدكوك) تعمل كعازل حراري طبيعي.

إلا أن هذا الصمود المعماري يواجه اليوم عدوَّين لدودين: الإهمال، وتغير المناخ. فالتساقطات المطرية الرعدية التي شهدتها المنطقة مؤخراً، كانت كافية لتعرية هشاشة هذه القصور. فجأة، تحولت “البركة” التي يراها السكان في بيوتهم إلى تهديد مباشر، ومع ذلك، تظل الأبواب الخشبية المزينة بالنقوش الأمازيغية موصدة على أسرار العائلات التي ترفض المغادرة.

التحليل السوسيولوجي: لماذا البقاء؟

عندما نسأل “با إيدير”، وهو شيخ ثمانيني قضى عمره كله داخل القصر، عن سبب تمسكه ببيت بدت شقوقه كأخاديد عميقة، يجيب بابتسامة حزينة: “من يترك جسده ويرحل؟ هذا القصر هو هويتنا، هنا ولد أجدادي، وهنا تفوح رائحة ذكرياتنا”.

ولا يمكن فهم تمسك السكان ببيوتهم دون فهم “كيمياء” المكان. فقصر كلميمة بني بتقنية “التابوت” (الطين المدكوك)، وهي تقنية معمارية واحية أثبتت كفاءتها الحرارية لقرون. في الصيف، حين تتجاوز الحرارة 45 درجة مئوية، توفر هذه البيوت برودة طبيعية تفتقر إليها أحدث المكيفات، وفي الشتاء القارس، تختزن الجدران السميكة حرارة النهار لتدفئة الليالي.

وبالنسبة للسكان، فهذا البيت “يتنفس”. يقول عمي حدو أحد أعيان القصر الذي التقيناه بالقرب من “المسجد العتيق” داخل القصر: “الإسمنت الذي تطلبون منا الانتقال إليه هو قبر صامت. هنا، الطين يشعر بنا ونشعر به. إذا تصدع الجدار، نعالجه بالتراب والماء، تماماً كما نعالج جروحنا”. هذا الارتباط الأنطولوجي بالأرض يجعل من فكرة “الرحيل” بالنسبة لهم تتجاوز مسألة تغيير في العنوان، لتصير بالنسبة لقاطني القصر عملية “بتر” لهويتهم البيولوجية والمعمارية.

وهذا الرفض ليس مجرد “عناد” قروي، بل يمكن تحليله من خلال عدة أبعاد:

  1. البعد الوجداني والهوياتي

بالنسبة لسكان كلميمة، البيت الطيني ليس عقاراً، بل هو “كائن حي”. هناك اعتقاد عميق بالارتباط بالأرض، والرحيل إلى “صناديق الإسمنت” في الأحياء الجديدة (مثل مركز المدينة (الفيلاج) أو الحي الجديد أو حي الرشاد) ينظر إليه كفقدان للكرامة والجذور. الإسمنت بالنسبة لهم بارد، يفتقر للروح التي تمنحها الجدران الطينية.

  1. البنية الاجتماعية المتماسكة

القصر يوفر “أماناً اجتماعياً” لا يتوفر في الأحياء الحديثة. الجار يعرف جاره، والأطفال يلعبون في الأزقة المغطاة بعيداً عن شمس الظهيرة وحركة السيارات. في القصر، لا أحد يشعر بالوحدة؛ فالجدران المشتركة تعني مصيراً مشتركاً، وهذا التضامن العضوي هو ما يجعل فكرة الانتقال إلى شقة معزولة أمراً مرعباً للكبار والشباب على حد سواء.

  1. العائق الاقتصادي: فقر الإمكانيات

لا يمكن إغفال الجانب المادي. فأغلب العائلات التي لا تزال تقطن داخل “إغرم” هي عائلات محدودة الدخل. الانتقال يعني كلفة بناء جديدة، أو أداء إيجارات لا طاقة لهم بها. وانعدام المشاريع الحكومية لإعادة الإسكان والتي غالباً ما تصطدم بعقبات البيروقراطية أو ببعد المناطق المقترحة عن الواحة التي تشكل مصدر رزقهم الأساسي (الزراعة المعيشية).

“البركة” مقابل “الخطر”.. قراءة في السيكولوجيا الشعبية

ومن أغرب المفارقات التي رصدناها في “الحدث بريس” هي لغة “القدر” التي يتحدث بها السكان. حين تواجههم بخطر الانهيار، يأتي الجواب غالباً مشحوناً بمفاهيم دينية وروحية: “البركة في هذا القصر تحمينا”.

هناك اعتقاد راسخ بأن القصر “مسكون” بروح الأجداد والصالحين الذين أسسوه، وأن الخروج منه يعني فقدان هذه “البركة”. هذا النوع من السيكولوجيا الجمعية يجعل من تحذيرات المهندسين واللجان التقنية مجرد “كلام تقني جاف” لا يصمد أمام “اليقين الروحي” للسكان. الانهيارات التي تحدث بين الحين والآخر ينظر إليها كابتلاءات فردية، لا كخلل هيكلي في المنظومة المعمارية ككل.

معضلة الترميم: هل الإسمنت هو الحل؟

واحدة من أكبر المآسي التي تواجه قصر كلميمة هي “الترميم الخاطئ”. نجد بعض السكان، في محاولة يائسة لتدعيم بيوتهم، يستخدمون الإسمنت فوق الطين. والنتيجة تكون كارثية؛ فالإسمنت لا “يتنفس” مع الطين، مما يحبس الرطوبة ويؤدي إلى انهيار الجدار من الداخل بسرعة أكبر.

وهنا تبرز الحاجة إلى “هندسة معمارية واعية” تعيد الاعتبار للمواد المحلية. فهناك تجارب ناجحة في مناطق أخرى مثل “آيت بن حدو”، حيث تم ترميم القصور باستخدام تقنيات تقليدية مع تحديث المرافق الداخلية (كهرباء، صرف صحي). فلماذا يغيب هذا النموذج عن كلميمة؟

نقد السياسات العمومية

رغم وجود برامج وطنية لتثمين القصور والقصبات، إلا أن الأثر على أرض الواقع في كلميمة لا يزال خجولاً. السياسات المتبعة غالباً ما تركز على “الواجهة السياحية” وتنسى “الإنسان” الذي يسكن داخل هذه الواجهة. وإنقاذ قصر كلميمة لا يبدأ بترميم الأسوار الخارجية فقط، بل بضمان حياة كريمة للسكان داخله، وتزويدهم بالدعم التقني والمادي لترميم بيوتهم بأنفسهم وفق المعايير الأصيلة.

قصر كلميمة كمحرك اقتصادي مهدور

التحليل الاقتصادي يشير إلى أن إخلاء القصر هو “خسارة استثمارية”. فهو يمثل الرأسمال الرمزي لمدينة كلميمة. إذا أفرغ من سكانه، سيتحول إلى “أطلال” تجذب البوم والغربان بدلاً من السياح.

والاستثمار الحقيقي يجب أن يوجه نحو “السياحة التضامنية”، حيث يتم دعم السكان لترميم بيوتهم وتحويل أجزاء منها إلى دور ضيافة (Maison d’hôte). هذا النموذج، المطبق بنجاح في قصور منطقة “دادس” و”مرزوكة”، يسمح للسكان بالبقاء، ويخلق لهم دخلاً، ويحافظ على القصر ككتلة عمرانية حية.

صرخة صامتة نحو المستقبل

يقف قصر كلميمة اليوم عند مفترق طرق. إما أن يتحول إلى “متحف مهجور” تسكنه الأشباح والسياح العابرون، أو يظل “قلباً نابضاً” بالحياة كما كان لقرون. رفض السكان للمغادرة هو في الحقيقة “صرخة استغاثة” غير مباشرة؛ هم يقولون: “نحن نحب هذا المكان، لكننا نحتاج لمساعدتكم لكيلا يسقط فوق رؤوسنا”.

الطريق نحو الخلاص.. مقترحات لإنقاذ الإنسان والبنيان

ويبقى الحل لمعضلة قصر كلميمة لا يجب أن يكون أمنياً (بالإخلاء القسري) أو إهمالاً (بتركهم لمصيرهم). نحن في “الحدث بريس” نقترح خارطة طريق من ثلاث نقاط:

صندوق دعم الترميم الذاتي: بدلاً من بناء أحياء إسمنتية جديدة، ويجب توجيه تلك الميزانيات كمنح مباشرة للسكان، شريطة استخدام مواد بناء محلية وتحت إشراف مهندسين متخصصين في الطين.

مركز تكوين في المهن الواحية: خلق جيل جديد من “المعلمين” (الحرفيين) الذين يتقنون فنون البناء بالتابوت، لضمان استدامة عمليات الترميم وتوفير فرص شغل للشباب.

الاستثمار في البنية التحتية الداخلية: تطوير شبكات الصرف الصحي والكهرباء داخل القصر بأساليب لا تؤثر على هيكله الطيني، لجعل العيش فيه لا يقل رفاهية عن الأحياء الحديثة.

المسؤولية المشتركة

إن جريدة الحدث بريس، وهي تسلط الضوء على هذه القضية، تضع المسؤولين والفاعلين الجمعويين أمام مسؤوليتهم التاريخية. فسقوط سقف طيني في كلميمة ليس مجرد حادث عرضي، بل هو خسارة لقطعة من روح المغرب.

يجب أن تتحول “أسقف الطين” من مصدر للخوف إلى رمز للفخر الوطني. والحفاظ على قصر كلميمة هو حفاظ على توازن بيئي وثقافي واجتماعي فريد، وهو استثمار في “سياحة بديلة” تحترم الإنسان والمكان.

وأنت عزيزي القارئ:

هل تؤيد إخلاء القصور التاريخية قسراً من أجل سلامة السكان؟ أم تفضل دعمهم لترميمها والبقاء فيها؟

وكيف يمكن للمهندسين الشباب المساهمة في ابتكار حلول تدمج بين الطين والتقنيات الحديثة؟

شاركنا رأيك واقتراحاتك وحتى ذكرياتك إذا كنت قد زرت قصر كلميمة أو ولدت فيه.

أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :‫‫عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.