تحولت الاجتماعات المغلقة إلى ما يشبه غرفة عمليات تدار فيها معركة توازن دقيقة بين الرمزية التاريخية والحسابات الدبلوماسية، منذ إحالة قانون «تجريم الاستعمار الفرنسي» إلى اللجنة المشتركة بين غرفتي البرلمان. ومصادر من داخل اللجنة تؤكد أن «التحفظات لم تأت من مجلس الأمة وحده، بل هي تعبير عن الإرادة السياسية العليا»، وهو ما يضع النواب أمام معادلة معقدة: تمرير قانون قوي دون إصابة العلاقات مع باريس في مقتل.
النسخة الأصلية… صدام مباشر مع الاستعمار
وتضمنت النسخة الصادرة عن «المجلس الشعبي الوطني» في نهاية عام 2025 قائمة ثقيلة ومثيرة للجدل من الجرائم التاريخية؛ إذ شملت انتهاكات جسيمة بدأت من التجارب النووية المروعة، مروراً بالإعدامات الجماعية والتعذيب الممنهج، وصولاً إلى عمليات النهب الممنهج وطمس الهوية الوطنية. وبناءً على ذلك، لم تكن تلك الجرائم هي الفتيل الوحيد للأزمة، بيد أن العاصفة الحقيقية اندلعت حينما لامست البنود سقف المطالب السياسية المتمثلة في الاعتذار الرسمي والتعويضات الشاملة. ونتيجة لهذا المنحى، اعتبرت باريس هذا التحرك بمثابة “استفزاز تشريعي” صريح يهدد بتقويض كافة قنوات التهدئة التي فُتحت بشق الأنفس بعد أشهر طويلة من القطيعة الدبلوماسية.
محاور الانفجار الدبلوماسي
وتؤكد مصادر دبلوماسية متطابقة أن حدة التوتر تبلورت حول ثلاث نقاط مفصلية. وهي التي شكلت جوهر “الخلاف الوجودي” بين الطرفين: أولا: مطلب الاعتذار الرسمي الذي ترفضه فرنسا تاريخيا كالتزام قانوني. وثانيا: مبدأ التعويضات الشاملة عن حقبة الاستعمار وما خلفته من آثار. وثالثا: تسليم الخرائط الدقيقة لمواقع التجارب النووية وحقول الألغام.
ومن ثم، فإن هذه النقاط تحديدا هي التي دفعت قصر الإليزيه إلى التحرك السريع، عبر توجيه رسائل مباشرة وغير مباشرة عبر قنوات سياسية وأمنية رفيعة المستوى. وفي نهاية المطاف. يبقى ملف الذاكرة هو “اللغم” الأكثر حساسية الذي يهدد بنسف أي تقارب مستقبلي بين البلدين ما لم يتم تفكيك عقده التاريخية بشكل جذري.
داخل الكواليس: ضغوط صامتة وأوامر غير معلنة
وتشير المعلومات المتقاطعة من محيط البرلمان إلى أن «التعليمات» كانت واضحة: تخفيف النص دون المساس بجوهر الذاكرة. وذلك رغم غياب أي تصريح رسمي. حيث تحدث مصدر برلماني عن «اتصالات دبلوماسية مكثفة» بين أواخر 2025 وبداية 2026، تزامنت مع استئناف الحوار بين الجزائر وفرنسا بعد أزمة الاعتراف الفرنسي بسيادة المغرب على الصحراء.
ويقول المصدر: «كان هناك تخوف من أن يتحول القانون إلى قنبلة تعيد العلاقات إلى نقطة الصفر.»
مناورة تشريعية أم صفقة سياسية؟
ويتجه التعديل الحالي – وفق تسريبات اللجان – نحو: حذف أو تخفيف صيغة الاعتذار الإلزامي. وإزالة الإشارة المباشرة إلى التعويض المالي. والإبقاء على توصيف الجرائم كما هي، واعتماد لغة سياسية أقل تصادمية مع باريس. هذه التحولات جعلت محللين يعتبرون الخطوة تنازلا محسوبا يهدف لخلق «ممر آمن» يسمح للجزائر بالمطالبة باعتراف تاريخي دون الالتزام بسقف قانوني قد يحرج باريس أو يجمد المصالح المشتركة.
هل هي مراجعة أم إعادة كتابة؟
ولا يملك مجلس الأمة، تقنيا صلاحية تعديل النص. لكن تشكيل اللجنة المشتركة أعاد فتح القانون من بابه الواسع. وبذلك تحولت المراجعة من مجرد تصحيح تقني إلى إعادة صياغة سياسية تراد لها أن تخرج في ثوب «مرن» يسمح بتسويق القانون داخليا وخارجيا. ومصادر داخل البرلمان تقول: «هناك تعليمات عليا بأن يكون القانون رمزيا لا صداميا.»
باريس تترقب… والجزائر تضبط الإيقاع
وجاء رد فعل وزارة الخارجية الفرنسية على النسخة الأولى حادا. لكن التحول الجزائري الأخير يقرأ في باريس على أنه «نافذة فرصة». والتخفيف المحتمل ينظر إليه على أنه رسالة تهدئة، خصوصا بعد سلسلة لقاءات أمنية وسياسية لم يعلن عنها لرأب الصدع.
بين الذاكرة والدبلوماسية… مستقبل القانون
ويبدو أن الجزائر تتجه نحو تمرير نسخة وسطية: لا تتخلى عن سردية الذاكرة، ولا تصعد إلى حد القطيعة مع فرنسا. وتحافظ على هامش دبلوماسي يسمح بمفاوضات مستقبلية حول الملفات النووية والأرشيف والرفات
وسيصدر القانون «مخففا»، لكنه سيظل – وفق مراقبين – منصة سياسية للدفاع عن الذاكرة دون أن يتحول إلى سلاح قانوني يجر الجزائر إلى معارك قضائية ودبلوماسية معقدة.






