آخر الأخبار
بين العفوية وتجاوز البروتوكول.. ماكرون يربك ميلوني في قمة دولية إصلاح قانوني مرتقب يهم ساعات عمل شركات الحراسة الخاصة الوجه الخفي لمجزرة هزّت تركيا.. تحقيقات تكشف خيوط جريمتي المدرستين المغرب يشدد الرقابة على استيراد الأدوية عبر شروط جديدة للتأشيرة الصحية الداخلية تتحرك لضبط فوضى الطاكسيات.. رقمنة ومراقبة وإنهاء الاستغلال غير المباشر واشنطن تفاوض تحت التهديد.. إغلاق هرمز وتصعيد لبنان يدفعان المنطقة نحو مواجهة شاملة الحمامات ترفع التسعيرة.. ومغاربة: “السبب دائماً هرمز!” ترامب يرجّح نهاية قريبة لحرب إيران ويكشف معطيات جديدة عن المفاوضات المرتقبة الساعة الإضافية تربك نوم المغاربة وتفاقم التعب اليومي(دراسة) الملك محمد السادس يوشح محمد يسف ويعين اليزيد الراضي أمينا عاما للمجلس العلمي الأعلى الحكومة الإسبانية تقر تسوية واسعة للمهاجرين.. وسانشيز يتحدث عن “فعل عدالة” قيوح يكشف خطة ضخمة لتحويل المملكة إلى قوة عالمية في الطيران المدني
الرئيسية / مجتمع / رمضان 1447هـ، ليلة الحسم… كيف يولد رمضان في سماء المغرب بين الفقه والحساب؟

رمضان 1447هـ، ليلة الحسم… كيف يولد رمضان في سماء المغرب بين الفقه والحساب؟

مجتمع بقلم: الحدث بريس 17/02/2026 11:28
مجتمع
رمضان 1447هـ، ليلة الحسم… كيف يولد رمضان في سماء المغرب بين الفقه والحساب؟

مع اقتراب نهاية شعبان من كل عام، تتجه أنظار ملايين المغاربة إلى السماء، في انتظار إعلان رسمي يحدد بداية شهر رمضان. وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية أعلنت أن مراقبة هلال رمضان لعام 1447هـ ستتم مساء الأربعاء 29 شعبان 1447هـ الموافق لـ18 فبراير 2026م، وفق الضوابط الشرعية المعتمدة في المملكة.

خلف هذا الإعلان المقتضب، تقف منظومة متكاملة تجمع بين الفقه المالكي باعتباره المذهب المعتمد رسميا، والعقيدة الأشعرية، والتقاليد الراسخة لأهل السنة والجماعة، إضافة إلى معطيات فلكية وتقنية دقيقة. الرؤية ليست مجرد نظرة إلى الأفق، بل لحظة تقاطع بين النص الشرعي والحساب العلمي، وبين وحدة المجتمع وهيبة الدولة.

“الحدث بريس” تنقل في هذا التحقيق صورة موسعة عن كيفية حسم هذه اللحظة، من منابعها الفقهية إلى تحدياتها الميدانية، مرورا بسؤال قديم متجدد: لماذا تقدم المملكة الرؤية الشرعية على الحساب الفلكي رغم تطور العلوم؟

الأصل الشرعي… “صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته”

ينطلق منهج إثبات الشهر في المغرب من الحديث النبوي الصحيح المتفق عليه عند أهل السنة والجماعة:

“صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين”.

هذا النص يشكل الأساس التشريعي المعتمد، ودرج فقهاء المالكية عبر القرون على تأكيد أن ثبوت دخول رمضان يكون برؤية الهلال أو بإكمال عدة شعبان ثلاثين يوما عند تعذر الرؤية.

المذهب المالكي، الذي يمثل الإطار الفقهي الرسمي للمملكة، يعطي أهمية كبرى لشهادة العدول الثقات، ويعتبر أن ثبوت الرؤية ولو بشهادة عدد معتبر وفق الضوابط الشرعية يكفي لإعلان دخول الشهر.

العقيدة الأشعرية، التي تشكل المرجعية العقدية للدولة، تؤكد بدورها ضرورة الالتزام بالنصوص القطعية مع فهمها في سياقها، دون الوقوع في تعطيل الوسائل العقلية أو تجاوزها لما ورد به الشرع.

بذلك، لا تختزل عملية المراقبة في مجرد تقليد موروث، بل هي امتثال واضح لمنهج شرعي متجذر داخل مدرسة أهل السنة والجماعة.

بين الفقه المالكي ووحدة الإمامة

ومن خصوصيات العمل الديني في المغرب أنه يقوم على إمارة المؤمنين، باعتبارها ضامنا لوحدة المرجعية الدينية. وإعلان دخول رمضان ليس قرارا فرديا، بل يصدر مركزيا بعد التثبت والتحقق من المعطيات الواردة من مختلف الجهات.

ويشدد فقهاء المالكية على أن “حكم الحاكم يرفع الخلاف”، أي أن إعلان الدولة الثبوت أو عدمه يلزم عموم الناس، حماية لوحدة الأمة ومنعا للفوضى.

وهذا المبدأ الفقهي يعزز الانسجام الاجتماعي، ويقطع الطريق أمام الاجتهادات المتناثرة التي قد تحدث انقساما في بدء الصيام.

كيف تتم المراقبة عمليا؟

تبدأ العملية بتكليف القضاة ومندوبي الشؤون الإسلامية والعدول في مختلف مناطق المملكة بتحري الهلال بعد غروب شمس يوم 29 شعبان. ويتم رصد السماء من مواقع متعددة تراعي الفوارق الجغرافية، من السهول الساحلية إلى المرتفعات الجبلية.

وحالما يتم التوصل بشهادة رؤية مستوفية للشروط، ترفع إلى الجهات المختصة للتحقق منها فقهيا وتقنيا. وفي حالة تعذر الرؤية في عموم التراب الوطني بسبب الغيوم أو عوامل طبيعية، يتم الإعلان عن إكمال شعبان ثلاثين يوما.

وتخصص الوزارة كل سنة أرقاما هاتفية مباشرة لتلقي الشهادات فوريا، ما يعكس اندماج الوسائل التقنية الحديثة في خدمة قرار ديني تقليدي.

الحساب الفلكي… أداة مساعدة لا بديل شرعي

ورغم التطور الهائل في علم الفلك، ظل المغرب متمسكا بالرؤية البصرية الشرعية دون أن يهمل الحساب الفلكي. يستأنس بالمعطيات الفلكية للتأكد من إمكانية الرؤية من عدمها، لكنه لا يعتمد الحساب وحده لإثبات دخول الشهر.

ويميز علماء أهل السنة بين “إمكانية الرؤية” و”تحققها فعلا”. فالحساب قد يحدد ولادة الهلال فلكيا، لكنه لا يغني عن الشهادة البصرية المطلوبة شرعا.

والفقه المالكي المعتمد في المملكة يجيز الاستفادة من الحساب في نفي المستحيل؛ فلو أفاد الفلكيون باستحالة الرؤية في تلك الليلة، لا تقبل شهادة تخالف ذلك لأنها تكون مردودة قطعا. أما في حال إمكان الرؤية، فيبقى الفيصل هو تحققها بشروطها.

التحديات الميدانية… حين تتداخل الطبيعة مع النص

قد يبدو الأمر بسيطا، لكن الواقع يطرح صعوبات متعددة. تغيرات الطقس، والضباب، والتلوث الضوئي، والغبار، كلها عوامل قد تعيق الرؤية، حتى لو كان الهلال موجودا فلكيا.

والتفاوت الجغرافي للمغرب يزيد من تعقيد العملية؛ فقد تثبت الرؤية في جهة دون أخرى. غير أن إعلان الثبوت يكون موحدا بناء على قاعدة “ثبوت الرؤية في أي موضع من البلاد يلزم جميع أهلها” وفق الاجتهاد المالكي المعتمد.

كما أن بعض المناطق المرتفعة تتيح رؤية أوضح من المناطق الحضرية المضيئة، ما يستدعي توزيعا مدروسا لمواقع الرصد.

الأبعاد الاجتماعية… لحظة إجماع وطني

وتترقب الأسر إعلان بداية رمضان بترقب خاص، لأن القرار ينعكس فوريا على نمط الحياة. الأسواق تضبط إيقاعها، والمؤسسات تعدل جداولها، والأسر تستعد نفسيا وعمليا للصيام.

وإعلان موحد يعزز الإحساس بالانتماء الجماعي، ويحول الرؤية إلى لحظة رمزية توحد الملايين في زمان واحد.

هذا البعد الجماعي ليس تفصيلا ثانويا، بل يعكس مقصدا شرعيا يتعلق بوحدة الصف، وهو مقصد أصيل في منهج أهل السنة والجماعة.

جدل الحساب والرؤية… قراءة من داخل المذهب السني

ويثار في العالم الإسلامي، جدل سنوي حول اعتماد الحساب الفلكي وحده. غير أن المذهب المالكي، ومعه جمهور فقهاء أهل السنة، يرون أن النص النبوي واضح في ربط الصوم بالرؤية.

ويتحدث بعض المعاصرين عن توسيع مفهوم الرؤية ليشمل الوسائل العلمية، لكن المنهج الرسمي في المغرب ما يزال يعتبر الحساب أداة مساعدة لا أصلا منشئا للحكم.

هذا الموقف يعكس توازنا بين احترام النصوص الشرعية والانفتاح على المعطيات العلمية، دون الانفصال عن أصول المذهب.

التقنية في خدمة التقليد

ويضفي استخدام الهواتف ووسائل الاتصال الفوري، وتنسيق المعطيات بشكل مركزي، بعدا تنظيميا حديثا على العملية. فلم تعد شهادة الرؤية تنتقل عبر مسافات طويلة ببطء، بل تصل في لحظات إلى مركز القرار.

ومع ذلك، يبقى جوهر العملية وفيا لروحها الأولى: رصد مباشر بالأعين، وشهادة تضبطها شروط شرعية صارمة.

هل يتغير المنهج مستقبلا؟

في ظل تسارع التطور العلمي، يتساءل البعض عن إمكانية تغير آلية الإثبات. غير أن الثابت في المرجعية السنية المالكية أن النصوص الشرعية تبقى حاكمة، والحساب يبقى تابعا.

وقد تتطور وسائل الرصد لتصبح أكثر دقة باستخدام مناظير وأجهزة متقدمة، لكن الإطار الأصولي يظل قائما على الرؤية.

الهلال… أكثر من جرم سماوي

في الوعي الإسلامي السني، الهلال ليس فقط مؤشرا زمنيا، بل علامة تعبد مرتبطة بالعبادات. لحظة ظهوره تعلن انتقالا روحيا واجتماعيا عميقا.

والرؤية بهذا المعنى تربط الإنسان بالطبيعة، وتذكره بدورات الزمن، وتعيد إنتاج لحظة الطاعة الجماعية التي تتكرر كل عام.

خصوصية التجربة المغربية… دقة منهجية وتفوق في الحسم

وتبرز التجربة المغربية في مراقبة الهلال كنموذج متميز داخل العالم الإسلامي، حيث تعتمد المملكة شبكة وطنية واسعة من المراقبين الشرعيين موزعة على مختلف جهات البلاد. ما يسمح بتغطية جغرافية دقيقة تشمل السواحل والجبال والسهول. هذا الامتداد الميداني يمنح المغرب قدرة أكبر على التحقق من إمكان الرؤية في ظروف مناخية متنوعة، مقارنة بدول تعتمد نقاط رصد محدودة.

كما أن مركزية القرار الديني في إطار إمارة المؤمنين تجعل إعلان ثبوت الهلال أو عدمه يصدر بشكل موحد ومنضبط. بعيدا عن التعدد الذي تعرفه بعض الدول الإسلامية حيث تعلن جهات مختلفة نتائج متباينة. وهذه الوحدة التنظيمية تعزز الثقة في القرار الرسمي، وتقلل هامش الجدل المجتمعي.

ويضاف إلى ذلك أن المغرب من الدول التي نادرا ما تسجل اختلافا بين الحساب الفلكي وإمكانية الرؤية الفعلية، بفضل اعتماد الحساب كمعطى استرشادي دقيق قبل الشروع في التحري. فالحساب الفلكي يحدد بدقة زمن الاقتران وإحداثيات الهلال. ما يسمح بتوجيه المراقبين إلى التوقيت والمواقع الأنسب للرصد، دون أن يحل محل الرؤية الشرعية. هذا التكامل بين المعطى العلمي والانضباط الفقهي يمنح العملية درجة عالية من الموثوقية.

وتشير تجارب سابقة إلى أن إعلانات ثبوت الهلال في المغرب غالبا ما تكون منسجمة مع المعايير الفلكية الحديثة، وهو ما يعكس عمق التنسيق بين العلماء الشرعيين والخبراء الفلكيين، في إطار احترام المرجعية السنية المالكية. وهذا التميز جعل التجربة المغربية تحظى بتقدير واسع في الأوساط الفقهية، باعتبارها نموذجا يجمع بين الصرامة الشرعية والدقة التقنية.

بين الماضي والحاضر… توازن محسوب

والمغرب، وهو يعلن موعد تحري هلال رمضان، يعكس نموذجا يجمع بين تقليد فقهي أصيل وانضباط مؤسساتي حديث. فالعملية ليست مجرد تقويم فلكي، بل ممارسة دينية جماعية تنسجم مع مرجعية أهل السنة والجماعة والمذهب المالكي.

وفي انتظار مساء 29 شعبان، ستتجه الأنظار مجددا إلى السماء، فيما ستبقى العيون الأخرى متجهة إلى البلاغ الرسمي.

لحظة واحدة، تبنى على شهادة ثقات، وتعلن لوحدة أمة كاملة.

والهلال في المغرب لا يحدد يوما فقط…

بل يجدد سنويا علاقة الشرع بالزمن، والوحدة بالإمامة، والمجتمع بمرجعيته السنية الراسخة.

مشاركة المقال: in 𝕏 f
المقال التالي وزارة الشباب والثقافة والتواصل تعلن عن مباراة توظيف 20 متصرفا من الدرجة الثالثة المقال السابق موسم الحبوب بين بشائر الوفرة وضغط الاستيراد… هل يمنح المطر المغرب فرصة حقيقية لكسب رهان الأمن الغذائي؟
التعليقات
أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :‫‫عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

مقالات ذات صلة