ختان البنات جريمة تمارس في صمت: هل يفشل العالم في القضاء عليها قبل 2030

الحدث بريس7 فبراير 2026
جريمة تمارس في صمت: هل يفشل العالم في القضاء على ختان البنات قبل 2030

تسجل حالة جديدة لطفلة تتعرض لتشويه أعضائها التناسلية نتيجة الختان، كل 15 ثانية. جريمة لا تتوقف عند حدود الجغرافيا أو الثقافة أو الدين، تمتد من القرى النائية في القرن الإفريقي إلى بعض الجيوب داخل أوروبا. ومن مجتمعات فقيرة تبحث عن “الشرف” إلى عائلات مهاجرة تعيد إنتاج تقاليد موجعة في بلدان تجرمها قوانينها.

وتكذب الأرقام، رغم تعهد المجتمع الدولي بالقضاء على هذه الممارسة بحلول 2030، الوعود: ملايين الطفلات ما زلن في دائرة الخطر.

جذور الظاهرة: بين ثقافة السيطرة ومفهوم “الطهارة”

وينبع الختان، في أصوله، من منظومة اجتماعية قديمة تحاول التحكم في جسد المرأة وسلوكها الجنسي.
وتختلف تبريراته من مجتمع لآخر: في إفريقيا يقدم باعتباره دورة عبور إلى “الأنوثة” أو شرطا للزواج. في بعض مجتمعات آسيا ينظر إليه كحماية للعائلة من “العار”. في الجاليات المهاجرة بأوروبا يجري لتفادي العزلة الاجتماعية عند العودة لبلد الأصل. لكن القاسم المشترك الوحيد بين كل هذه السرديات هو إسكات صوت المرأة واستباحة جسدها قبل أن تبلغ حتى سنّ الفهم أو الرفض.

خريطة الختان عالميا: من القرن الإفريقي إلى العواصم الغربية

وتظهر تقارير الأمم المتحدة أن أكثر من 200 مليون امرأة وفتاة تعرضن لتشويه الأعضاء التناسلية في 31 دولة معروفة بانتشار الظاهرة. لكن الرقم الحقيقي أكبر بكثير، لأن غالبيته يقع في السرّ، داخل غرف مغلقة دون وثائق أو شكايات. وأبرز المناطق التي يتفشى فيها الختان: الصومال: 98% من النساء خضعن للختان. جيبوتي ومصر والسودان بنسب تتجاوز 80%. إندونيسيا وماليزيا حيث تنتشر أشكال “مخففة” لكنها لا تقل ضررا. أوروبا: نحو 600 ألف امرأة تعيش داخل الاتحاد الأوروبي وهنّ ضحايا الختان، مع وجود أكثر من 180 ألف فتاة مهددة سنويًا ضمن الجاليات المهاجرة. هذه الأرقام تكشف أن الجريمة ليست “ثقافة محلية”، بل ظاهرة عابرة للقارات.

الألم المختبئ: الآثار الصحية والنفسية لا تنتهي

وتكشف الوقائع أن الأمر لا يتعلق بعملية “رمزية” كما يدعي البعض، بل يمثل تعذيبا حقيقيا يخلف آثارًا مدمرة، إذ يسبب: نزيفا حادا قد يؤدي في بعض الأحيان إلى الوفاة، وتحدث التهابات مزمنة يمكن أن تنتهي بالعقم وصعوبات مستمرة أثناء الولادة، وتخلف آلاما دائمة خلال الجماع تستمر مدى الحياة، كما تدفع الضحية إلى اضطرابات نفسية خطيرة تصل إلى القلق والاكتئاب واضطراب ما بعد الصدمة. وفي شهادة مؤلمة لإحدى الناجيات تقول: “لم أكن أعرف ما يجري… فقط صراخ ودم ووجوه لا أعرفها تحكم قبضتها على جسدي الصغير.” وهكذا يتضح أن ما يروج كعادة أو طقس اجتماعي ليس سوى اعتداء جسدي ونفسي ممنهج وممتد عبر الأجيال.

وعود 2030: التزام دولي… وواقع يزداد سوءا

وتعهد العالم في 2015، بالقضاء على ختان البنات، وذلك ضمن أهداف التنمية المستدامة. لكن مع: النزاعات في إفريقيا، صعود التيارات المحافظة، موجات الهجرة، وتفاقم الفقر، ارتفع عدد الطفلات المعرّضات للخطر إلى 70 مليونا بحلول 2030 وفق اليونيسف. أي أن العالم، بدل أن يقترب من الحل، يتجه نحو أزمة أكبر.

أوروبا تهتز: فشل سياسات الاندماج يكشف استمرار ختان الفتيات في الخفاء

وتظهر الوقائع بوضوح أن القارة الأوروبية ليست بمنأى عن هذه الجريمة، فرغم القوانين الصارمة في فرنسا وألمانيا وبريطانيا، ما تزال ممارسات الختان تنفذ داخل المنازل أو خلال سفر الفتيات في العطل إلى بلدان الأصل، في ما بات يعرف بـ”رحلات الختان”.

وأعلنت الشرطة البريطانية سنة 2023 أن عشرات العائلات أصبحت تحت مراقبة قضائية بعد الاشتباه في تهريب بناتها لإجراء العملية في إفريقيا، ما يؤكد أن التشريعات وحدها غير كافية، وأن مواجهة الظاهرة تتطلب تغييرا جذريا في العقلية المجتمعية قبل أي شيء آخر.

من يتحمل المسؤولية؟ شبكة كاملة تحمي الجريمة

ويوضح الواقع الميداني أن عملية الختان لا تنفذ فقط على يد “نساء كبيرات السن في القرى”، بل تقف وراءها شبكة اجتماعية معقدة تضم: العائلات التي تفرض العادة تحت ضغط التقاليد، والزعماء التقليديين الذين يكرسون شرعنتها، وبعض القابلات غير المؤهلات، ورجال دين يفتون بغير علم، وحكومات تتجنب الصدام مع الأعراف، ودولا غربية تلتزم الصمت خشية اتهامات “العنصرية”. وبذلك، يتشكل نظام متكامل يحمي الجريمة ويعيد إنتاجها عبر الأجيال.

شروط القضاء على الختان: ما الذي يجب فعله؟

ويتضح أنه للقضاء على هذه الممارسة المؤذية، ينبغي اعتماد نهج شامل لا يكتفي بتجريم العملية، بل يعمل على: توعية المجتمعات من الداخل بدل الاكتفاء بحملات دولية سطحية، وتمكين المرأة اقتصاديا حتى تتخلص من تبعيتها الاجتماعية، وإشراك رجال الدين المحليين لتفكيك الخطاب المضلل، وتوفير متابعة طبية ونفسية حقيقية للضحايا، وتعزيز تعليم البنات ودورهن في المجتمع، ومعاقبة كل متورط مهما كانت مكانته. ومن دون تطبيق هذه الخطوات بجدية. ستظل الوعود مجرد شعارات تتردد في المؤتمرات دون أثر في الواقع.

هل ينجح العالم في إغلاق هذا الجرح؟

ويعتبر ختان البنات ليس مجرد “عادة” أو “تراث”، بل عنف جسدي منظم ينتج حياة كاملة من الألم ويطفئ أحلام طفلات قبل أن يكتمل وعيهن. وإذا استمر العالم على هذا المسار البطيء، فإن موعد 2030 لن يكون إلا محطة لكشف الفشل الذريع في حماية نصف المجتمع. ويبقى السؤال الصادم: هل نحن نقترب من نهاية ختان البنات… أم نقترب من جيل جديد من الضحايا؟

أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :‫‫عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.