لم نحتج إلى طوابير طويلة أمام محطات الوقود كي ندرك أن في منظومتنا الطاقية ثقبا واسعا قد يضعنا أمام أزمة في البنزين. يكفي أن تتعثر شاحنات، أو تتأخر باخرة، أو تشتد عاصفة، حتى يعود السؤال نفسه إلى الواجهة، هل نحن بلد يؤمن حاجياته الاستراتيجية، أم سوق مفتوحة تنتظر ما تجود به الموانئ الخارجية؟
التقلبات الجوية الأخيرة لم تحدث أزمة بنزين بالمعنى الكلاسيكي، لكنها كشفت هشاشة بنيوية طالما جرى تجاهلها. فالاختلال لا يبدأ مع المطر والرياح، بل مع غياب رؤية متكاملة للأمن الطاقي. سوء الأحوال الجوية كان مجرد اختبار مفاجئ لمنظومة تعتمد كليا على الخارج، وتفتقر إلى هوامش مناورة حقيقية عندما يختل الإيقاع اللوجستي.
أزمة البنزين، عاصفة عابرة… وقلق دائم
تسببت الأمطار الغزيرة والرياح القوية في اضطراب طرق الإمداد وتأجيل بعض الشحنات نحو مناطق بعيدة. وبمجرد أن تراجعت وتيرة التوزيع في بعض المحاور، ارتفعت نبرة القلق. هذا القلق مفهوم، لأن الاقتصاد المغربي – من النقل إلى الفلاحة إلى الصناعة – قائم بشكل كبير على المحروقات. أي اهتزاز طفيف في سلاسل التوريد يترجم فورا في كلفة الإنتاج وأسعار السوق.
المشكل ليس في قوة العاصفة، بل في ضيق هامش الأمان. المخزون الوطني، وفق تقديرات متداولة، لا يوفر إلا غطاء محدودا لا يسمح بمواجهة أزمات طويلة أو متكررة. ومع تزايد الاضطرابات المناخية عالميا، لم يعد ممكنا التعامل مع هذه الأحداث بوصفها استثناءات نادرة. لقد دخلنا زمن “اللايقين الدائم”، ومنظومة الطاقة ينبغي أن تبنى على هذا الأساس.
تكرير غائب… واعتماد كامل على الخارج
التحول الأكبر الذي أصاب معادلة الطاقة في المغرب حدث قبل سنوات، حين توقفت عملية التكرير المحلي بعد دخول مصفاة سامير في مسطرة التصفية القضائية سنة 2016. منذ تلك اللحظة، انتقل البلد من وضعية يمتلك فيها طاقة تكريرية وطنية ومخزونا مريحا نسبيا، إلى وضعية يعتمد فيها كليا على استيراد المواد المكررة.
هذا التحول لم يكن تقنيا فحسب، بل استراتيجيا. لأن امتلاك القدرة على التكرير يعني امتلاك جزء من القرار. وحين يفقد هذا الجزء، يصبح الأمن الطاقي رهينة تقلبات السوق العالمية، وشروط الموردين، وكلفة الشحن، وحتى التوترات الجيوسياسية التي لا يد لنا فيها.
الاقتصاد لا يحتمل هذا المستوى من الارتهان. فأسعار المحروقات ليست مجرد أرقام في لوحة إلكترونية بمحطة الوقود، بل محدد رئيسي لكلفة النقل والمواد الغذائية والخدمات. وكلما غاب الإنتاج المحلي، زادت حساسية السوق الداخلية لأي تغير خارجي.
جدل رسمي… واحتقان نقابي
في خضم هذا النقاش، برزت تصريحات وزيرة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة ليلى بن علي بشأن إمكانية عودة المصفاة إلى الاشتغال نظرا لأهميتها. غير أن هذه التصريحات لم تمر دون رد، إذ اعتبر المكتب النقابي الموحد للكونفدرالية الديمقراطية للشغل بشركة سامير أن المقاربة الرسمية تفتقر إلى وضوح استراتيجي، بل وذهب أبعد من ذلك في اتهام بعض التصريحات بخدمة مصالح فاعلين مستفيدين من الوضع القائم.
وبعيدا عن لغة الاتهام والدفاع، يكشف هذا السجال عن غياب أرضية مشتركة للنقاش. فملف التكرير لم يعد شأنا تقنيا يخص شركة متعثرة، بل قضية ترتبط بمفهوم السيادة الاقتصادية. والاختلاف حوله يعكس غموضا في الرؤية. هل تعتبر الدولة التكرير خيارا استراتيجيا طويل المدى، أم نشاطا تجاريا يمكن الاستغناء عنه؟
كلفة اجتماعية منسية
إغلاق المصفاة لم يكن رقما في سجل تجاري فقط، بل صدمة اجتماعية لآلاف الأسر. مهندسون وتقنيون ويد عاملة متخصصة وجدوا أنفسهم خارج دائرة الإنتاج. هذا النزيف لا يضعف سوق الشغل فحسب، بل يستنزف رصيدا وطنيا من الخبرة التقنية المتراكمة.
مدينة المحمدية، التي ارتبط اسمها لعقود بالصناعة النفطية، فقدت جزءا من نبضها الاقتصادي. والأنشطة الموازية، من خدمات ولوجستيك، تأثرت بدورها. حين نتحدث عن إعادة تشغيل أو عن تفويت أصول، فإننا نتحدث أيضا عن إعادة الاعتبار لمنظومة مهنية كاملة، لا عن مجرد إعادة تشغيل صهاريج وأنابيب.
بين منطق السوق ومنطق الدولة
الرهان اليوم يتجاوز سؤال هل ستعود المصفاة للعمل؟ ليصل إلى سؤال أعمق، ما هو موقع الطاقة في المشروع الوطني؟ إذا كان الأمن الغذائي يحظى باعتباره أولوية استراتيجية، فلماذا لا يحظى الأمن الطاقي بالمكانة نفسها؟
بعض المقترحات تذهب نحو حلول مالية وقانونية، من قبيل دخول الدولة عبر صناديق عمومية في رأسمال الأصول، أو البحث عن شراكة استراتيجية بشروط واضحة، أو اعتماد صيغة تضمن استمرارية التكرير تحت رقابة صارمة. غير أن كل هذه الخيارات تحتاج إلى قرار سياسي واضح يضع خطوطا حمراء ويحدد الأهداف البعيدة.
غياب هذا الحسم يجعل المستثمرين مترددين، ويجعل الرأي العام يعيش على وقع التكهنات. فالأسواق لا تحب الغموض، والاستثمار في قطاع ثقيل كالتكرير يتطلب رؤية طويلة الأمد، لا مجرد تصريحات ظرفية.
فرصة لإعادة التفكير
المفارقة أن الأزمات كثيرا ما تفتح نافذة للإصلاح. التقلبات الجوية الأخيرة قد تكون جرس إنذار مبكرا، لا كارثة فعلية. وهي فرصة لإعادة تقييم مستوى التخزين الوطني، وتحديث البنية التحتية اللوجستية، ووضع خطط طوارئ عملية لا تبقى حبرا على ورق.
والنقاش حول التكرير ينبغي أن يدمج في رؤية أوسع للانتقال الطاقي. فالمغرب يستثمر بكثافة في الطاقات المتجددة، وهذا خيار استراتيجي محمود، لكن المرحلة الانتقالية ستظل بحاجة إلى محروقات تقليدية لسنوات. ولا يمكن إدارة هذه المرحلة بعقلية الاعتماد الكامل على الخارج.
نحو أمن طاقي متوازن
المعادلة ليست بين الانغلاق والانفتاح، بل بين الارتهان والتوازن. فلا أحد يدعو إلى الاكتفاء الذاتي الكامل في عالم مترابط، لكن امتلاك قدرات داخلية يخفف من حدة الصدمات ويمنح الدولة قدرة تفاوضية أفضل.
وتعزيز المخزون، وإعادة النظر في سياسة التكرير، وإشراك الفاعلين الاجتماعيين في صياغة الحلول، وربط القرارات التقنية برؤية سياسية واضحة؛ كلها عناصر في طريق بناء منظومة أكثر صلابة.
لم تغلق محطات الوقود، ولم تتوقف عجلة النقل. لكن الرسالة وصلت.. هشاشتنا ليست وليدة الطقس، بل وليدة اختيارات مؤجلة. والسؤال الذي ينبغي أن نطرحه بجرأة هو هل ننتظر أزمة فعلية حتى نتحرك، أم نحول هذا القلق العابر إلى نقطة انطلاق نحو سيادة طاقية متوازنة؟
حين تهب العاصفة المقبلة، قد لا تمنحنا الوقت الكافي للتفكير. اليوم، ما زال أمامنا متسع لاتخاذ القرار.













