قال مسؤولون أمريكيون ومصادر مطلعة إن إدارة البيت الأبيض باتت ترى نفسها أقرب من أي وقت مضى إلى التوصل لاتفاق أولي مع إيران، يقوم على مذكرة تفاهم موجزة لا تتجاوز صفحة واحدة، بهدف إنهاء المواجهة العسكرية الجارية وفتح الباب أمام مفاوضات نووية أكثر تفصيلاً خلال المرحلة المقبلة.
وأضافت المصادر ذاتها، في تصريحات لموقع “أكسيوس”، أن طهران تستعد لتقديم ردودها بشأن نقاط مفصلية في غضون 48 ساعة، في وقت لم يتم فيه الحسم النهائي بعد، غير أن مسار المفاوضات بلغ “مرحلة متقدمة” مقارنة بما كان عليه منذ اندلاع التصعيد. وأشارت إلى أن المقترح الحالي يتضمن التزامات متبادلة، من شأنها إرساء تهدئة مؤقتة، مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام سيناريوهات متعددة.
ملامح اتفاق أولي لإنهاء الحرب
وفي هذا السياق، كشفت المعطيات المتوفرة أن الصيغة المطروحة ترتكز على التزام إيران بوقف تخصيب اليورانيوم، مقابل موافقة الولايات المتحدة على رفع تدريجي للعقوبات الاقتصادية المفروضة عليها، إضافة إلى الإفراج عن مليارات الدولارات من الأموال الإيرانية المجمدة. كما يشمل المقترح تخفيف القيود المرتبطة بحركة الملاحة في مضيق هرمز، بما يسمح بعودة تدريجية لحركة الشحن.
وفي المقابل، تنص مذكرة التفاهم على أن عدداً من البنود سيظل رهيناً بالتوصل إلى اتفاق نهائي لاحق، وهو ما يعني، بحسب مراقبين، أن وقف القتال المحتمل قد لا يواكبه حل شامل لكافة نقاط الخلاف. وبالتالي، يظل احتمال عودة التوتر قائماً في حال تعثر المفاوضات خلال المرحلة الانتقالية.
خلافات عميقة وتعقيدات داخلية بين أمريكا وإيران
من جهة أخرى، أفاد مسؤولون أمريكيون بأن القيادة الإيرانية تعيش حالة من الانقسام الداخلي، وهو ما قد يعرقل اتخاذ قرار حاسم بشأن القبول بالمقترح. وفي المقابل، عبّر بعض المسؤولين في واشنطن عن شكوكهم في إمكانية التوصل حتى إلى اتفاق أولي، بالنظر إلى تعقيد الملفات المطروحة وتباين سقف التنازلات.
وفي تطور لافت، أوضحت المصادر أن قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالتراجع عن خيار عسكري كان مرتبطاً بمضيق هرمز جاء نتيجة التقدم المحرز في المفاوضات، ورغبة في الحفاظ على وقف إطلاق النار الهش. كما أشارت إلى أن المحادثات تُجرى عبر قنوات مباشرة وأخرى غير مباشرة، بمشاركة مبعوثين أمريكيين، من بينهم ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، إلى جانب مسؤولين إيرانيين.
وبموجب الطرح الحالي، سيتم الإعلان عن إنهاء الحرب وبدء مرحلة تفاوضية تمتد لـ30 يوماً، تخصص للتوصل إلى اتفاق شامل حول البرنامج النووي الإيراني، وآليات فتح المضيق، فضلاً عن تفاصيل رفع العقوبات. كما يُرتقب أن تحتضن مدن مثل إسلام آباد أو جنيف جولات التفاوض المقبلة.
نقاط خلاف حاسمة ومسار غير مضمون
في سياق متصل، تظل مدة تعليق تخصيب اليورانيوم من أبرز نقاط الخلاف بين الطرفين، إذ تتراوح المقترحات الأمريكية بين 12 و20 سنة، في حين تقترح إيران فترة لا تتجاوز 5 سنوات، ما يعكس فجوة كبيرة في المواقف. كما تسعى واشنطن إلى إدراج بند يسمح بتمديد فترة التعليق في حال خرق الاتفاق، مع إمكانية السماح لاحقاً لإيران بتخصيب اليورانيوم ضمن حدود منخفضة.
وفي الإطار ذاته، تتضمن المسودة إخضاع إيران لنظام تفتيش معزز، يشمل زيارات مفاجئة من قبل مفتشي الأمم المتحدة، مقابل رفع تدريجي للعقوبات والإفراج عن الأموال المجمدة. كما يجري بحث خيار نقل مخزون اليورانيوم عالي التخصيب إلى خارج البلاد، وهو مطلب أمريكي رئيسي كانت طهران قد رفضته سابقاً، مع طرح سيناريوهات متعددة بشأن وجهته المحتملة.
ومن ناحية أخرى، أكد وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو أن التوصل إلى اتفاق نهائي لا يقتضي إنجازه دفعة واحدة، مشدداً على أن الملف معقد ويحتاج إلى مسار دبلوماسي متدرج. كما أبدى تشككاً في إمكانية تحقيق اختراق سريع، معتبراً أن مواقف بعض القادة الإيرانيين تزيد من صعوبة التوصل إلى توافق شامل.
وخلاصة القول، تعكس هذه التطورات مساراً تفاوضياً دقيقاً يتأرجح بين فرص التهدئة ومخاطر الانتكاس، في ظل تباين الحسابات السياسية والعسكرية للطرفين. وبينما تلوح في الأفق بوادر اتفاق أولي، يبقى نجاحه رهيناً بقدرة واشنطن وطهران على تجاوز خلافاتهما العميقة، وتقديم تنازلات متبادلة تفتح الباب أمام تسوية أكثر استدامة.






