في المغرب اليوم، يدار جزء كبير من قصة الاحتقان الاجتماعي خارج غرف التحرير الرسمية. الإعلام، بين رقابة ذاتية تتغذى من خوف سياسي، وضغط سوقي يسوّق “المحتوى الخفيف” على حساب التحقيق الجاد، يترك فجوات واسعة في السرد، تملؤها المنصات الاجتماعية ووسائل إعلام أجنبية ومؤثرون بلا التزامات مهنية. السؤال لم يعد: هل هناك حرية صحافة أم لا؟ بل: من يملك فعلاً رفاهية سرد ما يحدث، ومن يدفَع دفعاً إلى الصمت أو التخفيف أو تدوير الزوايا؟
رقابة بلا ورقة رسمية: كيف تزرع الخشية في غرف الأخبار؟
القوانين المنظمة للصحافة في المغرب تتحدث عن إلغاء العقوبات السالبة للحرية في قانون الصحافة والنشر. لكن التقارير الحقوقية تسجّل أن الصحفيين يلاحَقون عملياً عبر القانون الجنائي. وأن القضايا الحساسة تؤطَّر كجرائم “حق عام” لا كقضايا رأي وتعبير. منظمة “مراسلون بلا حدود” تشير إلى أن المغرب تحسن قليلاً في الترتيب العالمي لحرية الصحافة. (انتقل إلى حدود المرتبة 120 في 2025 بعد أن كان أسوأ). لكنها تذكّر بأن هذا لا يعني بيئة آمنة، لأن أي مقال نقدي قد يجر صاحبه إلى محاكمة بتهم أخرى غير الصحافة.
وأوضح تقرير مفصل عن تدهور حرية الصحافة أن استعمال القانون الجنائي، بدل الاكتفاء بقانون الصحافة، خلق مناخاً من “الردع غير المباشر”. صحفيون يشاهدون زملاءهم يحاكَمون أو يسجنون، فيستبقون المصير بمقصّ رقابة ذاتية من داخلهم قبل أن يصلهم مقص السلطة. أضِف إلى ذلك الهزات التي طالت “المجلس الوطني للصحافة”، من تمديد متكرر لولايته إلى تعويضه بلجنة مؤقتة ثم مشروع إعادة تنظيم مثير للجدل. ما اعتبرته مراكز بحث وصحفيون “إضعافاً لآلية التنظيم الذاتي المستقلة، وتعزيزاً لقبضة الحكومة على الحقل برمته”.
سيف القانون والتمويل فوق رقبة الخبر
الرقابة ليست فقط قاعة محكمة؛ هي أيضاً دفتر شيكات. كثير من المنابر الوطنية، بما فيها تلك التي كانت توصف بالمستقلة، تعتمد بشكل كبير على الإعلانات العمومية وشبه العمومية، أو على الإشهار القادم من مؤسسات مرتبطة بالدولة أو الشركات الكبرى. في سياق اقتصادي هش لوسائل الإعلام، يتحول هذا التمويل إلى حبل غير مرئي يطوِّق حرية الخط التحريري.
<p><p>وتذكر تقارير متخصصة أن الإعلام المقرّب من الحكومة يستخدم أحياناً لتصفية حسابات مع صحفيين أو منابر مستقلة عبر حملات تشهير منظمة، بينما تكافأ أصوات أخرى بالترويج والتمويل مقابل الالتزام بسقف نقد “متحكَّم فيه”. بهذا المعنى، تصبح الرقابة الذاتية تفاعلاً منطقياً مع بيئة تقول للصحفي: بإمكانك أن تنتقد، ولكن بعيداً عن “المناطق المحرّمة”، وإلا ستدفع الثمن أمام القضاء، أو من جيبك، أو من سمعتك المهنية.
السوق يريد “الترفيه السياسي” لا الصحافة الاستقصائية
من ناحية أخرى، ضغط السوق لا يقل قسوة عن ضغط الحكومة. “تقرير الأخبار الرقمية 2025” الصادر عن معهد رويترز يظهر أن 78% من المغاربة يعتمدون على الإنترنت كمصدر أول للأخبار، وأن يوتيوب وفيسبوك وإنستغرام وتيك توك صارت قنواتهم المفضلة، بينما لا تتجاوز نسبة من يقولون إنهم يثقون في الأخبار عموماً 28%، وهي من النسب الأضعف عالمياً. هذا التحول دفع عدداً من المؤسسات الإعلامية إلى ملاحقة “الترند” بدل ملاحقة الحقيقة: عناوين مثيرة، محتوى سطحي، وفيديوهات قصيرة تُصمَّم لالتقاط الانتباه لا لشرح التعقيدات.
<p>في هذا السياق، يصبح الحديث عن الاحتقان الاجتماعي “منتجاً غير مربح” ما لم يُقدَّم في قالب تبسيطي، يحمّل المسؤولية لـ“المواطن الكسول” أو لـ“الشباب غير المؤطَّر”، أو يحوّل المظاهرات إلى لقطات استثنائية بدل ربطها ببنى اقتصادية وسياسية عميقة. السوق، كما هو منظَّم اليوم، يكافئ من يتفادى التعقيد؛ والحكومة مستفيدة من هذا الميل، لأنها تحصل على إعلام يملأ الفضاء بضجيج لا يهدد بنية السرد الرسمي.
الاحتجاجات الشعبية: من يملك رواية الشارع؟
وشكلت الحركات الاحتجاجية التي عرفتها مدن مغربية كبرى ومتوسطة في السنوات الأخيرة اختباراً حاداً للإعلام الوطني. خرج آلاف المواطنين يرفعون مطالب مرتبطة بالعدالة الاجتماعية، وتحسين التعليم والصحة، وإعادة النظر في أولويات الإنفاق العمومي، تحت شعار دال: “نحتاج مستشفيات أكثر مما نحتاج ملاعب”.
<p>وأظهر تقرير صادر عن مؤسسة متخصصة في رصد الأداء الإعلامي أن التغطية الدولية والإقليمية لهذه الاحتجاجات كانت أوسع وأعمق من تناول جزء كبير من الصحافة المحلية؛ إذ قُدّر أن ما يناهز 12 ألف مقال و73 ألف منشور على المنصات الرقمية عبر العالم تطرقت للموضوع، مع تركيز واضح على قضايا الحوكمة والمحاسبة والإنفاق الاجتماعي. وفي المقابل، بدا تردّد عدد من المنابر المغربية في تبني نفس المفردات، فاستعملت تعابير من قبيل “وقفات لمواطنين” أو “تجمعات محدودة”، أو شددت على “حسن تدبير السلطات الأمنية للوضع” أكثر مما انشغلت بجوهر المطالب المطروحة في الشارع.<p>هذا التباين في الزاوية التحريرية دفع شرائح واسعة من المحتجين إلى الشعور بأن الإعلام المحلي، أو جزءاً معتبراً منه، لا ينقل معاناتهم كما هي، بل يختار مسافة آمنة تحافظ على رضا الحكومة ولا تصطدم مع مصالح المعلنين. النتيجة أن مركز الثقل في صناعة السردية انتقل إلى تيك توك وريلز إنستغرام ولايفات فيسبوك، حيث تحوّل المحتجون أنفسهم إلى “مراسلين ميدانيين”، يوثّقون الوقائع ويبنون روايتهم الجماعية لحظة بلحظة.
سياسات حكومية تعمق هشاشة الاستقلالية
وبدل أن تتحرك الحكومة لتقوية استقلالية الإعلام في لحظة احتقان، اختارت في السنوات الأخيرة مساراً يزيد من هشاشته المؤسسية. مثال ذلك طريقة تدبير أزمة المجلس الوطني للصحافة: تمديد غير دستوري لولايته، ثم تنصيب لجنة مؤقتة، ثم مشروع قانون لإعادة هيكلته اعتبرته هيئات صحفية “تراجعاً عن مبدأ التنظيم الذاتي وفتحاً لباب الوصاية التنفيذية على المهنة”.
<p>وبالموازاة، لم تتم مراجعة عميقة للقانون الجنائي بما يضمن حماية فعلية لحرية التعبير، بل استمرت ملاحقات لصحفيين مستقلين بتهم ثقيلة خارج قانون الصحافة، كما في حالات وثِّقت من قبل منظمات دولية، ما أرسل رسالة واضحة: يمكن أن تحاكَم على ما تكتبه، حتى إن بدا قانون الصحافة متقدماً نظرياً. هذا المزج بين خطاب رسمي عن “التقدم في الترتيب الدولي” وبين ممارسات تضغط على الأصوات المزعجة، يفرغ أي حديث حكومي عن “حرية الإعلام” من مضمونه.
من يملأ الفراغ؟ المؤثرون والوسائط الأجنبية
<p>حين يتراجع الإعلام المحلي عن أداء دوره كاملاً في تغطية الاحتقان الاجتماعي بنَفَسٍ تحليلي واستقصائي، تظهر بدائل لا تخلو من مشاكلها. تقرير رويترز نفسه يشير إلى أن أكثر من نصف المستجوبين في المغرب يقولون إنهم يجدون صعوبة في التمييز بين الأخبار الحقيقية والمضلِّلة على الإنترنت، ويحمِّلون المؤثرين الرقميين المسؤولية الأولى عن نشر الشائعات، يليهم السياسيون المحليون.<p>ومع ذلك، يفضّل الشباب متابعة “يوتيوبرز” ومعلّقين مستقلين على المنصات، لأنهم – على الأقل – يسمعون منهم كلاماً مباشراً عن الفقر، الغلاء، الفساد، سوء الخدمات، وعن الاحتجاجات نفسها، بعيداً عن لغة البيانات الرسمية. في الوقت ذاته، تزداد هيمنة وسائل إعلام أجنبية (فرنسية، إنجليزية، عربية) على سردية ما يحدث في المغرب، خصوصاً عند كل أزمة، ما يعني عملياً أن جزءاً من “القصة الوطنية” يكتب من الخارج، بينما يكتفي الداخل بالملاحقة والرد أو الصمت.
حكومة تريد “إعلام استقرار” لا “إعلام مساءلة”
السياسات الحكومية في المجال الإعلامي تبدو، في الجوهر، مشدودة إلى هاجس واحد: الاستقرار. هذا الهاجس مفهوم في سياق إقليمي مضطرب، لكنه يتحول إلى ذريعة حين يستعمل لتبرير التضييق الناعم على النقد الجذري. تقارير “فريدوم هاوس” و“فريدوم على النت” تسجل بانتظام أن المغرب يعرف “قيوداً مهمة” على الفضاء العام. وأن الصحافة المستقلة والمجتمع المدني يواجهان ضغوطاً قانونية وإدارية وتنظيمية، خاصة عندما يقتربان من “الخطوط الحمراء”.
ويمكن، في هذا الإطار، فهم إصرار الحكومة على إعادة تشكيل المجلس الوطني للصحافة بما يثير مخاوف بشأن استقلاله. وعدم مبادرتها إلى فتح ورش وطني جدي حول تمويل الإعلام العمومي والخاص بشكل يضمن تنوعاً حقيقياً في الأصوات والخطوط التحريرية. لا مجرد تعددية شكلية تحت سقف واحد. الإعلام الذي تفضّله هذه المقاربة هو إعلام “إخباري–تزييني”: يغطي الأنشطة الرسمية. يواكب مشاريع البنية التحتية الكبرى، يروّج لصورة “المغرب الصاعد”، ويتجنب الغوص في صلب ملفات مثل الفقر، البطالة، اللاعدالة المجالية، وفساد النخب.
من يروي قصة الاحتقان إذن؟
اليوم، يمكن القول إن قصة الاحتقان الاجتماعي في المغرب تروى على ثلاثة مستويات متوازية:
جزء يرويه الإعلام الرسمي وشبه الرسمي بلغة “الإصلاحات الجارية” و“الإكراهات الموضوعية”، مع جرعات حذرة من النقد المسموح به.
جزء ثانٍ يرويه إعلام مستقل ما زال يقاوم، بطاقم محدود وموارد قليلة. محاولاً أن يحافظ على الحد الأدنى من الاستقصاء والبحث عن الحقيقة، لكنه يدفع ثمناً باهظاً في المحاكم والإعلانات.
وجزء ثالث – متضخم – يرويه الشارع الرقمي: شباب يصوّرون، يعلّقون، يبالغون أحياناً. لكنهم يملكون ما فقدته كثير من المؤسسات. شعور بأنهم غير مطالبين بالتعايش مع السقف. لأن السقف نفسه لم يعد يعترف بهم.
مقال رأي صادق اليوم لا يمكنه أن يحمّل الصحفي وحده مسؤولية الوضع؛ فالمعادلة أعقد. حكومة تبقي القانون الجنائي سيفاً مسلَّطاً، وتمسك بمفاصل التنظيم والتمويل. وسوق يطلب الربح السريع لا الخدمة العمومية، وجمهور فقد ثقته في الأخبار. فذهب يبحث عن “حقيقته” حيثما وجد صدى لغضبه، حتى لو كان مشوباً بالمغالطات.
كي يروى الاحتقان الاجتماعي المغربي كما هو، لا كما تريد الحكومة أو السوق. يلزم أولاً قرار سياسي واضح: أن يترَك للإعلام هامشٌ واسع بلا تهديد مقنَّع. وأن يعاد بناء نموذج تمويل يحرّر غرف الأخبار من ابتزاز الإشهار. وأن يترَك المجال للمجتمع كي يختلف ويتجادل في العلن. دون ذلك، ستظل قصة هذا الاحتقان تتمدّد خارج الجريدة والقناة. في مساحات لا تخضع لأي ميثاق مهني، ولا لأي سياسة حكومية. ولا لأي رقابة سوى خوارزميات المنصات، وهذه وصفة أكيدة لمزيد من الشروخ في علاقة المجتمع بالمعلومة… وبالسلطة معاً.






