بقلم : مصطفى هادي
انطلاق ملتقى التفاح مع إشراقة فصل الخريف من كل عام، يرتدي معه إقليم ميدلت حُلة حمراء وصفراء اعلانا ببدء موسم جني التفاح، وهو الحدث الذي يتجاوز حدود النشاط الزراعي التقليدي ليتحول إلى شريان اقتصادي واجتماعي يضخ الحياة في قلب جبال الأطلس الكبير والمتوسط.
وفي هذا السياق، فنسخة هذا العام من الملتقى الوطني للتفاح بميدلت، المنعقدة في الفترة الممتدة من 8 إلى 11 أكتوبر 2026، تكتسى أهمية بالغة بالنظر إلى دلالات شعارها الاستراتيجي كون سلسلة التفاح بمثابة فرص للتنمية الترابية المندمجة بالمناطق الجبلية. وهي محرك الثروة الإقليمية وصمام أمان السوق ، وحق لمدينة ميدلت عن جدارة ان تكون العاصمة الرسمية للتفاح في المغرب، إذ يستحوذ الإقليم وحده على حصة الأسد بإنتاج يمثل أزيد من نصف المحصول الوطني، وحوالي 90% من إنتاج جهة درعة-تافيلالت. ولا تقتصر القيمة الاقتصادية لهذا الموسم على جني الثمار، بل تمتد لتشمل بنية لوجستيكية ضخمة من وحدات التبريد ومحطات التخزين والتلفيف التي تضمن استمرار النشاط التجاري وتدفق الرساميل طوال فصول السنة.
وتأتي نسخة 2026 لتكرس مفهوم “التنمية الترابية المندمجة” من خلال الانتقال بالقطاع نحو التصنيع التحويلي المحلي (كالعصائر والخل والتجفيف)، وتوجيه النقاشات العلمية نحو الزراعة الذكية مناخياً؛ عبر تعميم أنظمة السقي الموضعي والطاقة الشمسية لمواجهة تحديات الإجهاد المائي، مما يضمن نمواً اقتصادياً مستداماً يحمي هوية المنطقة الفلاحية . زيادة على ابعاد الملتقى اقتصاديا يحضر البعد الاجتماعي عبر تقليص الفوارق وتثبت الساكنة الجبلية على الصعيد الاجتماعي، فتمثل سلسلة التفاح الركيزة الأولى للاستقرار والتنمية البشرية في المنطقة، حيث تُعد المشغل الأول لليد العاملة وتوفر أيام العمل السنوية للشباب والعمال الموسميين في مجالات القطف، والفرز، والتعبئة.
ويشكل هذا الموسم المصدر الرئيسي للدخل المباشر لغالبية الأسر القروية في الجماعات الترابية المحيطة بالإقليم مثل : بومية، إيتزر، وزايدة. مما يساهم بشكل فعال في رفع القدرة الشرائية ومحاربة الهشاشة . وتتجسد أهداف تقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية في دورة 2026 من خلال التركيز على تمكين صغار المزارعين وتقوية أدوار التعاونيات الفلاحية والنسائية. هذا التوجه يمنح المنتجين الصغار قوة تفاوضية تقطع الطريق على السماسرة ، ويفتح آفاقاً حقيقية للإدماج الاقتصادي للمرأة القروية والشباب حاملي المشاريع، مما يثمر في نهاية المطاف حداً ملموساً من الهجرة القروية وتثبيتاً للساكنة في مواطنها الأصلية. وما كان لهذه الأبعاد أن تكتمل لولا الحركية الاستثنائية والإقبال القياسي الذي تشهده أروقة الملتقى هذا العام؛ حيث تحولت ساحات العرض إلى نقطة جذب كبرى استقطبت آلاف الزوار من مختلف جهات المملكة وخارجها، من عائلات، وسياح، ومهتمين بالقطاع الفلاحي. هذا التوافد البشري الكبير أنعش بشكل مباشر الرواج السياحي والتجاري لمدينة ميدلت طيلة أيام المعرض.
إلى جانب الجمهور العام، تميزت دورة 2026 بـمشاركة نوعية وواسعة من الفاعلين الأساسيين؛ حيث شهدت أروقة الملتقى حضوراً مكثفاً للعشرات من العارضين والتعاونيات الفلاحية الذين استعرضوا أجود أصناف التفاح ومشتقاته التحويلية. كما شكل الحدث منصة للقاء والتبادل بين الفلاحين الصغار والمستثمرين، وبمواكبة علمية من خبراء، ومهندسين زراعيين، وباحثين شاركوا بكثافة في الندوات ومختلف الورشات ، مما أغنى النقاش حول سبل عصرنة السلسلة وتثمين المنتج.
إن تحقيق هذه الغايات التنموية الكبرى والنجاح التنظيمي الباهر لفعاليات هذا العام يعكس حجم التنسيق والاحترافية العالية التي أبانت عنها جمعية الملتقى الوطني للتفاح بميدلت، بدعم وثيق ومستمر من عمالة إقليم ميدلت، ووزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات.
كما يشكل انخراط الشركاء المؤسساتيين، والمجالس المنتخبة، والغرف الفلاحية، حجر الزاوية في توفير منصة علمية واقتصادية متكاملة تتيح للفلاح الصغير التواصل المباشر مع الخبراء والمستثمرين. هذا المجهود الجماعي المشترك لا يسهم فقط في إشعاع الإقليم سياحياً وثقافياً، بل يرسخ ثقافة العمل التشاركي كآلية لا غنى عنها لخدمة قضايا التنمية المستدامة والنهوض بالعالم القروي.
يتبين أن مقياس نجاح موسم التفاح بإقليم ميدلت لم يعد يُقاس بحجم المحصول وأطنان الإنتاج فحسب، بل بمدى ترجمة شعار ملتقى 2026 على أرض الواقع. إن مستقبل السلسلة بات رهيناً بالربط الذكي بين ترشيد الموارد الطبيعية وبين تحصين المكتسبات الاقتصادية والاجتماعية؛ فمن الناحية الاقتصادية، يشكل التحديث اللوجستيكي والتصنيعي صمام أمان ضد تقلبات الأسواق. أما من الناحية الاجتماعية، فإن الاستثمار الحقيقي يكمن في مدى القدرة على تمكين الفئات الهشة وتقليص الفوارق المجالية في أعالي الجبال، ليبقى تفاح ميدلت، في نهاية المطاف، ليس مجرد فاكهة تؤثث ضفاف الأطلس، بل هوية اقتصادية ومحركاً اجتماعياً يصنع ملامح مغرب الغد التضامني والمستدام.